الصفحة 156 من 301

إن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع! ويحسبون أنهم يسدون لهذا الدين جميلا بتخلية عن منهجه ، وهو إزالة الطواغيت جميعا من الأرض جميعا ، وتعبيد الناس للّه وحده ، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته ، ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة. بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة ، أو قهرها حتى تدفع الجزية ، وتعلن استسلامها ، والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة ، تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها.

«والسمة الثالثة: هي أن هذه الحركة الدائبة ، والوسائل المتجددة ، لا تخرج هذا الدين عن قواعده المحددة ، ولا عن أهدافه المرسومة. فهو منذ اليوم الأول سواء - وهو يخاطب العشيرة الأقربين ، أو يخاطب قريشا ، أو يخاطب العرب أجمعين ، أو يخاطب العالمين .. إنما يخاطبهم بقاعدة واحدة ويطلب منهم الانتهاء إلى هدف واحد .. هو إخلاص العبودية للّه ، والخروج من العبودية للعباد .. لا مساومة في هذه القاعدة ولا لين .. ثم يمضي إلى تحقيق هذا الهدف الواحد ، في خطة مرسومة ، ذات مراحل محددة ، لكل مرحلة وسائلها المتجددة ..

على نحو ما أسلفنا في الفقرة السابقة.

«والسمة الرابعة: هي ذلك الضبط التشريعي للعلاقات بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات الأخرى - على النحو الملحوظ في ذلك التلخيص الجيد الذي نقلناه عن زاد المعاد - وقيام ذلك الضبط على أساس أن الإسلام للّه هو الأصل العالمي الذي على البشرية كلها أن تفيء إليه أو أن تسالمه بجملتها فلا تقف لدعوته بأي حائل من نظام سياسي ، أو قوة مادية. وأن تخلي بينه وبين كل فرد ، يختاره أو لا يختاره بمطلق إرادته. ولكن لا يقاومه ولا يحاربه. فإن فعل ذلك أحد ، كان على الإسلام أن يقاتله حتى يقتله ، أو يعلن استسلامه!» .

في ضوء هذا البيان نستطيع أن نفهم لم كانت هذه الأحكام الأخيرة الواردة في هذه السورة: من براءة اللّه ورسوله من عهود المشركين وإمهال ذوي العهود الموقوتة منهم - ممن لم ينقضوا مع المسلمين عهدا ، ولم يظاهروا عليهم أحدا - إلى مدتهم. وإمهال ذوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت