أي اجعل يا محمد أصحاب القرية التي سيأتيك خبرها لهؤلاء مثلا في الغلو والعناد والكفر مع الإصرار على تكذيب الرسل ، والمراد: طبق حال مشركي مكة الغريبة بحال أصحاب تلك القرية إذ جاءهم المرسلون ، حين أرسلناهم اثنين فلم يكن مجيئهم عن محض اختيارهم بل كان بإرسالنا إليهم فكذبوهما فقوينا الحق وأيدناه برسول ثالث ، فقالوا جميعا: إنا إليكم يا أهل القرية مرسلون.
وفي تعيين القرية وأسماء الثلاثة ذكر المفسرون كلاما كثيرا اللّه يعلم أنه لا يسند إلى سند متين ، ولكنه من الإسرائيليات. على أننا لا يهمنا معرفة نفس القرية ولا أشخاص الرسل ، ولكن المهم أن نعرف ماذا حصل ؟ وماذا كانت النتيجة ؟ والمفسرون يذكرون أن هؤلاء الرسل كانوا لعيسى ابن مريم فهم رسل رسول اللّه ، ولست أدرى ما الذي حملهم على هذا!
ولم لا يكونون رسلا للّه سبحانه وتعالى ؟ لأنهم ساقوا في كلامهم أنهم أتوا بمعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه إلى آخر ما ذكره ، وهذا في ظني - واللّه أعلم - لا يكون إلا لنبي يدعى النبوة. [1]
أرسلت الرسل ، وقالوا: إنا إليكم مرسلون .. فماذا قال أصحاب القرية ؟ قالوا: لستم رسلا ولا يعقل أن تكونوا رسلا لأنكم بشر مثلنا فمن الذي فضلكم علينا ؟ وهل فيكم من غنى أوجاه أو قوة حتى تكونوا رسلا إلينا ؟ اعترضوا بهذا وما علموا أن اللّه يعلم حيث يجعل رسالته ، والرسول بشر من البشر علم اللّه أنه يتحمل مشقة الرسالة فأرسله للناس وهو العليم الخبير بخلقه ، فليست الرسالة تتنافى مع البشرية ، وليست المزية والأفضلية في الاختيار ترجع إلى الغنى أو القوة المادية ، وإنما مرجعها إلى نواح نفسية روحية اللّه أعلم بها ، ومن هنا نعرف أن اعتراضات الكفار قديما وحديثا واحدة.
وقالوا: ما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون كذبا متجددا حادثا كلما ادعيتم الرسالة ، وهذه شبهة ثانية لهم تتعلق بالحق تبارك وتعالى. والشبهة الأولى
(1) - قلت: وهو الصواب كما سيمر