هؤلاء الرسل قاموا بالرسالة وأدوا الأمانة فهل استجاب لهم أحد أم لا ؟ نعم قد استجاب لهم خلق ، وجاء من أقصى المدينة رجل كامل الرجولة يسعى سعيا حثيثا لإظهار الحق ، ونصرته ، ومحاربة الباطل ودولته: قال يا قومي ويا أهلى: اتبعوا هؤلاء المرسلين فإنهم صادقون في دعوى الرسالة ، اتبعوا من لا يسألكم أجرا ، ولا يطلب منكم مالا ، ولا يسعى إلى رئاسة أو غرض وهم مهتدون سائرون على الطريق الحق ، والمنهج القصد ، وهذا كاف في اتباع الرسل لو أنصف الناس .. وكأنهم ردوا عليه وقالوا له: أنت مؤمن بهم وبأنهم رسل اللّه ، وصدقتهم في عبادة إله واحد ؟ قال:وما لي لا أعبد الذي خلقني وأبدعنى على تلك الصورة ؟ أى مانع عندي يمنعني من عبادة من فطرني وخلقني فسوانى في أحسن صورة ؟ وإليه وحده ترجع الخلائق يوم القيامة للثواب والعقاب ، وهكذا المنصف يعبد اللّه لأنه خلقه ، أو يعبده لأنه سيحاسبه. فهو يعبد رغبا أو رهبا.
أأتخذ من دونه آلهة لا تنفع ولا تشفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، إن أرادنى الرحمن بضر ، لا تدفع ضره ولا تغنى عنى شفاعتهم شيئا ، ولا هم ينقذوننى مما بي فلأى شيء يعبدون ؟ أليست العبادة تقديسا لمن يستحق التقديس ؟ ! إنى إذ أعبد حجرا أو مخلوقا لا ينفع ولا يضر إنى إذا لفي ضلال مبين.
اسمعوا يا قومي: إنى آمنت بربكم وربي فاسمعون.
قيل له: ادخل الجنة ، فهل قيل له بعد الموت ؟ أو بشر بهذا ممن لا يكذب فبنى على تلك البشارة ما يأتى ؟ وعلى الرأى الأول يكون ما يأتى حكاية لحاله يوم القيامة ، وعلى الثاني فكلامه في الدنيا سيق عبرة وعظة للناس يا ليت قومي يعلمون بغفران ربي لي حيث جعلني من المكرمين يوم القيامة بالثواب الجزيل والأجر العريض ، وهذا حال المؤمن المصدق لرسل اللّه. [1]
التفسير والبيان:
(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 178)