فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 335

لغير اللّه ، ومن الخضوع للأهواء والشهوات ، ومن طغيان المادية القاتلة للشعور الإنساني السامي.

-إنه القرآن الذي يدعو إلى شريعة العدل والحق والرحمة العامة بالإنسانية ، ويدعو إلى منهج سليم للحياة والفكر والتصور والسلوك ، وإلى نظرة شاملة للوجود توضح علاقة الإنسان باللّه تعالى وبالكون والحياة.

وهي دعوة قائمة على العلم والمعرفة الصحيحة والتجربة ، والعقل والفكر الناضج الذي لا يفتر من كدّ الذهن وتشغيل المدارك ، والنظر في هذا الكون سمائه وأرضه ، برّا وبحرا وجوّا ، وهي دعوة أيضا إلى القوة والعزة والكرامة والثقة والاعتزاز بشريعة اللّه ، والاستقلال ، مع الاستفادة من علوم ومعارف الآخرين ، لأن العلم ليس حكرا على شعب دون شعب ، وإنما هو عطاء إنساني عام ، كما أن تحرير الإنسان وتحقيق إنسانيته العليا هدف إلهي عام ، يعلو على مصالح الطغاة والمستبدين الذين يحاولون مصادرة إنسانية الإنسان من أجل الإبقاء على مصالحهم الخاصة ، واستعلائهم على غيرهم ، وتسلطهم على بني البشر.

ولن يتأثر الاعتقاد بأصالة دعوة القرآن الخيّرة هذه إلى الناس كافة ، بما يوضع أمامها من عراقيل ، أو يبث حول جدارتها من شكوك أمام النهضة الحضارية المادية الجبارة ، لأن هذه الدعوة ليست روحانية مجردة ، ولا فلسفة خيالية أو نظرية بحتة ، وإنما هي دعوة واقعية مزدوجة تضم بين جناحيها الدعوة إلى عمارة الكون ، وبناء الدنيا والآخرة معا ، وتعاضد الروح والمادة معا ، وتفاعل الإنسان مع كل مصادر الثروة في هذا الكون ، الذي سخّره اللّه تعالى للإنسان وحده استعمالا وانتفاعا ، واستنباطا واختراعا ، وإفادة واستكشافا مستمرا ، كما قال اللّه تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ، فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة 2/ 29] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت