أى: وهؤلاء الكفار - لجهالتهم وانطماس بصائرهم - قد صاروا في الدنيا بمنزلة الجند الذين أعدوا أنفسهم لخدمة هذه الآلهة والدفاع عنها. والحضور عندها لخدمتها ، ورعايتها وحفظها.
ويرى بعضهم أن الضمير « هم » للآلهة ، والضمير في « لهم » للمشركين ، عكس القول الأول ، فيكون المعنى: وهؤلاء الآلهة لا يستطيعون نصر المشركين وهم أى الآلهة - « لهم » أى: للمشركين ، « جند محضرون » أى: جند محضرون معهم إلى النار ، ليلقوا فيها كما يلقى الذين عبدوهم ، كما قال - تعالى -: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ.
والفاء في قوله - تعالى -: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ للإفصاح. أى: إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم من الجهالة والغفلة ، فأعرض عنهم ، ولا تحزن عليهم ، ولا تبال بأقوالهم.
وقوله - سبحانه -: إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ تعليل للنهى عن الحزن بسبب أقوالهم. أى لا تحزن - أيها الرسول الكريم - بسبب أقوالهم الباطلة ، فإنا نعلم علما تاما ما يسرونه من حقد عليك ، وما يعلنونه من أعمال قبيحة ، وسنعاقبهم على كل ذلك العقاب الذي يستحقونه.
فالآية الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما كان يلقاه من هؤلاء المشركين."" [1]
وفي الظلال:
"في هذا القطاع الأخير من السورة تستعرض كل القضايا التي تعالجها السورة .. قضية الوحي وطبيعته وقضية الألوهية والوحدانية. وقضية البعث والنشور .. تستعرض في مقاطع مفصلة. مصحوبة بمؤثرات قوية في إيقاعات عميقة. كلها تتجه إلى إبراز يد القدرة وهي تعمل كل شيء في هذا الكون وتمسك بمقاليد الأمور كلها. ويتمثل هذا المعنى مركزا في النهاية في الآية التي تختم السورة: «فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» .. فهذه اليد القوية المبتدعة خلقت"
(1) - التفسير الوسيط للقرآن الكريم لطنطاوي - (12 / 54)