والنبوة اتصال دائم باللّه ، وتلق مباشر عن وحي اللّه ، ومحاولة دائمة لرد الحياة إلى اللّه. بينما الشعر - في أعلى صوره - أشواق إنسانية إلى الجمال والكمال مشوبة بقصور الإنسان وتصوراته المحدودة بحدود مداركه واستعداداته. فأما حين يهبط عن صوره العالية فهو انفعالات ونزوات قد تهبط حتى تكون صراخ جسد ، وفورة لحم ودم! فطبيعة النبوة وطبيعة الشعر مختلفتان من الأساس. هذه - في أعلى صورها - أشواق تصعد من الأرض. وتلك في صميمها هداية تتنزل من السماء ..
«إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ» ..ذكر وقرآن .. وهما صفتان لشيء واحد. ذكر بحسب وظيفته. وقرآن بحسب تلاوته. فهو ذكر للّه يشتغل به القلب ، وهو قرآن يتلى ويشتغل به اللسان. وهو منزل ليؤدي وظيفة محدودة: « لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا ، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ» ..
ويضع التعبير القرآني الكفر في مقابل الحياة. فيجعل الكفر موتا ، ويجعل استعداد القلب للإيمان حياة.
ويبين وظيفة هذا القرآن بأنه نزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - لينذر من به حياة. فيجدي فيهم الإنذار ، فأما الكافرون فهم موتى لا يسمعون النذير وظيفة القرآن بالقياس إليهم هي تسجيل الاستحقاق للعذاب ، فإن اللّه لا يعذب أحدا حتى تبلغه الرسالة ثم يكفر عن بينة ويهلك بلا حجة ولا معذرة! وهكذا يعلم الناس أنهم إزاء هذا القرآن فريقان: فريق يستجيب فهو حي. وفريق لا يستجيب فهو ميت.
ويعلم هذا الفريق أن قد حق عليه القول ، وحق عليه العذاب!
والمقطع الثاني في هذا القطاع يعرض قضية الألوهية والوحدانية ، في إطار من مشاهدات القوم ، ومن نعم البارئ عليهم ، وهم لا يشكرون: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ؟ وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ. وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ؟ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ. لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ. فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ» ..