مَلُومًا مِنْ نَفْسِهِ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنِ الْحَقِّ ، وَهَذَا اللَّوْمُ يُزَلْزِلُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْبَاطِلِ . [1]
كَانَ الْبَدَوِيُّ رَاعِي الْغَنَمِ يَسْمَعُ الْقُرْآنَ فَيَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا لِمَا عِنْدَهُ مِنْ رِقَّةِ الْإِحْسَاسِ وَلُطْفِ الشُّعُورِ ، فَهَلْ يُقَاسُ هَذَا بِأَيِّ مُتَعَلِّمٍ الْيَوْمَ ؟ أَرَأَيْتَ أَهْلَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، كَيْفَ انْضَوَوْا إِلَى الْإِسْلَامِ بِجَاذِبِيَّةِ الْقُرْآنِ لِمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دِقَّةِ الْفَهْمِ ، الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ الِانْجِذَابِ إِلَى الْحَقِّ ؟ ! وَأَشَارَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا إِلَى الْبِنْتِ الْأَعْرَابِيَّةِ الَّتِي فَطِنَتْ لِاشْتِمَالِ الْآيَةِ الْآتِيَةِ عَلَى أَمْرَيْنِ وَنَهْيَيْنِ وَبِشَارَتَيْنِ . وَمُجْمَلُ الْخَبَرِ أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ بِنْتًا مِنَ الْأَعْرَابِ خُمَاسِيَّةً أَوْ سُدَاسِيَّةً تُنْشِدُ:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ لِذَنْبِي كُلِّهِ ... قَتَلْتُ إِنْسَانًا بِغَيْرِ حِلِّهِ
مِثْلَ غَزَالٍ نَاعِمٍ فِي دَلِّهِ ... وَانْتَصَفَ اللَّيْلُ وَلَمْ أُصَلِّهِ
فَقُلْتُ لَهَا: قَاتَلَكِ اللهُ مَا أَفْصَحَكِ ، فَقَالَتْ: وَيَحَكَ أَيُعَدُّ هَذَا فَصَاحَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (28: 7) فَجَمَعَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَنَهْيَيْنِ وَبِشَارَتَيْنِ [2] .
لَمَّا رَأَى عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ تَأْثِيرَ الْقُرْآنِ فِي جَذْبِ قُلُوبِ النَّاسِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُحْفَظُ إِلَّا بِهِ ، وَلَمَّا كَانَ الْعَرَبُ قَدِ اخْتَلَطُوا بِالْعَجَمِ ، وَفَهِمَ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَعَاجِمِ مَا فَهِمَهُ عُلَمَاءُ الْعَرَبِ أَجْمَعَ كُلٌّ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَدَوَّنُوا لَهَا الدَّوَاوِينَ وَوَضَعُوا لَهَا الْفُنُونَ ، نَعَمْ إِنَّ الِاشْتِغَالَ بِلُغَةِ الْأُمَّةِ وَآدَابِهَا فَضِيلَةٌ فِي نَفْسِهِ وَمَادَّةٌ مِنْ مَوَادِّ حَيَاتِهَا ، وَلَا حَيَاةَ لِأُمَّةٍ مَاتَتْ لُغَتُهَا . وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا وَحْدَهُ هُوَ الْحَامِلَ لِسَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى حِفْظِ اللُّغَةِ بِمُفْرَدَاتِهَا وَأَسَالِيبِهَا وَآدَابِهَا ، وَإِنَّمَا الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا .
(1) - انظر كتاب جاهلية القرن العشرين للعلامة محمد قطب حفظه الله
(2) - نهاية الأرب في فنون الأدب - (2 / 266)