ثانيًا: التفرد في الطبقات المتأخرة:
... أما التفرد برواية حديث في طبقة من شأنها أن يكون الحديث فيها مشهورًا ومتعدد الطرق ، كالمدارس الحديثية المشتهرة في جهات مختلفة من الأقطار الإسلامية ، والتي يشترك في نقل أحاديثها جماعة كبيرة من مختلف البلاد ، لبالغ حرصهم على جمعها من مخارجها الأصيلة بحيث لا يفوت لهم شيء منها إلا نادرًا ،وقد تهيأ لهم ذلك من خلال تجولهم الحر ، وتنقلهم الواسع النطاق بين البلدان الإسلامية ، والذي أصبح بمقدور الجميع . فهذا النوع من التفرد يدعو الناقد إلى ضرورة النظر حول أسبابه ، فينظر في علاقة صاحبه مع المروي عنه عمومًا ، وكيفية تلقيه ذلك الحديث الذي تفرد به عنه خصوصًا ، كما ينظر في حالة ضبطه لأحاديث شيخه بصفة عامة ، ولهذا الحديث خصوصًا ، ثم يحكم عليه حسب مقتضى دراسته وبحثه واجتهاده (1) .
... فليس هناك إذن حكم مطرد بقبول تفرد الثقة ، أو رد تفرد الضعيف بل تتفاوت أحكامهما ، ويتم تحديدها وفهمها على ضوء المنهج النقدي النزيه .
... وذلك لأن الثقة يختلف ضبطه باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل يحدث في كيفية التلقي للأحاديث أو لعدم توفر الوسائل التي تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه أو لحدوث ضياع في بعض ما كتبه عن البعض حتى ولو كان من أثبت أصحابهم وألزمهم ولذا ينكر النقاد من أحاديث الثقات - حتى ولو كانوا أئمة - ما ليس بكثير ، كما أشار إليه الإمام أحمد سابقًا .
... فإذا أعلَّ النقاد حديثًا على اختلاف عصورهم مستدلين عليه بالتفرد ، فعلينا - نحن الباحثين - أن نتأمل في تعليلهم جيدًا كي نتمكن من معرفة أسراره ، ولا يليق بنا أن نتعقبهم ونقول: كلا إنه ثقة لا يضر تفرده .
... فإنه لا يتصور في حقهم الإتفاق على الغفلة أو النسيان بأن الرجل ثقة ،حتى يتم لنا الاستدراك عليهم بمثل هذه الأمور البديهية التي لا تخفى على الطالب المبتدئ فضلًا عن هؤلاء الجهابذة الحفاظ .
(1) أشار إليه الحافظ الذهبي في كتابه"الموقظة"ص 77 .