قُلْتُ: وهذا جوابٌ بديعٌ من الحافظ رحمه الله، وما أمرُ الخوارج عنك ببعيد، فقد اتفق كلُّ من نقل أخبارهم على أنهم كانوا من أعبد الناس، حتى كنت ترى سيما الصلاة في وجه الواحد منهم كرُكبة العنز، مع فرط تألُّههم، وتجافيهم عن الدنيا، ومع ذلك قال فيهم رسولُ الله صلي الله عليه وسلم:"يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرَّميَّةِ، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم؛ لأقتلنهم قتل عادٍ".
فقومٌ يقول عنهم رسولُ الله صلي الله عليه وسلم مثل هذا القول الشديد، لا يزدادون بعبادتهم إلا بُعْدًا، وصدق ابن مسعودٍ رضي الله عنه إذ قال:"اقتصادٌ في سنةٍ، خيرٌ من عمل كثيرٍ في بدعةٍ". أو كما قال.
وما أحسن ما رواه البيهقيُّ في"سننه" (466/2) من طريق أبي زرعة الرازي، ثنا أبو نعيمٍ، ثنا سفيان، عن أبي رباحٍ، عن سعيد بن المسيب؛ أنه رأى رجلا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع والسجود، فنهاهُ. فقال: يا أبا محمد! يعذبُني اللهُ على الصلاة؟! قال: لا، ولكن يعذِّبُك على خلاف السنة.
وصحَّح إسناده شيخُنا أبو عبد الرحمن الألباني رحمه الله في"إرواء الغليل" (236/2) .
قُلْتُ: ورجالُهُ ثقاتٌ أئمةٌ، لولا أن أبا رباح شيخ الثوري ما عرفتُهُ، ويحتمل أن يكون هو أبو رباح بن أبي الحكم بن حبيب الثقفي، ترجمه ابنُ أبي حاتم (371/2/4) ، وابن حبان في"الثقات" (573/5) وقالا:"روى عنه عمر بن ذرّ".
ويحتمل أن يكون هو رباح بن أبي معروف المكيِّ، وتكونُ أداةُ الكنية مقحمةً، فإن الثوري يروي عنه، وهو قد روى عن جماعة من التابعين، منهم عبد الله بن أبي مليكة، وغيره، فروايتُهُ عن سعيد محتملة، ثم هو مختلفٌ فيه، وهو وسطٌ.
فإن يكنْهُ، فالإسناد صالحٌ، ومثلُ هذه الحكايات يتسامح فيها أهلُ العلمُ.
وحملُ الحديث على من فوَّت حقًا واجبًا أولى، فإنه يتوجه إليه الوعيد، كمن يترك التداوي لما في الصبر على المرض من الأجر، لكنه يضيّعُ الصلاة مثلا لعدم قدرته على احتمال الألم، فإن ترك التداوي وإن كان جائزًا لمن له قدرةٌ على الصبر، لكنه لا يجوز إذا فوّت المرءُ به ما أوجبه الله عليه. والله أعلمُ.
يسأل القارئ: ح أ م ، فيقول: روى أبو داود في"سننه"حديث أبي أمامة أن النبي # قال:"الأذنان من الرأس"وقال كلامًا عقب الحديث، لم أفهم مراده منه. فما هو مراده؟ وهل الحديث صحيح أم لا؟