فهرس الكتاب
... ويضرب سانت أغسطين مثالًا معقّدًا، وهو 'أنّ الثّالوث يشبه الدّماغ، فالدّماغ يعلم بوجود ذاته، وأداة العلم هي الدّماغ نفسه، فالعلم هو الدّماغ، والمعلوم هي الدّماغ، وأداة العلم هي الدّماغ فهي إذن ثلاث صفات لشيء واحد، لكن لا يقال إنّ الدّماغ ثلاثة'، وهذا المثال لا يستقيم؛ لأنّ الدّماغ المذكور واحد في الحقيقة وتثليثه اعتباريّ ليس حقيقيًّا، في حين أنّ النّصارى يؤمنون في الإله بالتّوحيد الحقيقيّ والتّثليث الحقيقيّ، والدّماغ كعالم ليس كائنًا متميّزًا ولا منفصلًا ولا مستقلًا عن الدّماغ كمعلوم، ولا عن الدّماغ كأداة علم؛ في حين أن أقانيم الثّالوث منفصلة عن بعضها، فالأب كائن متميّز ومستقلّ عن الابن، والابن كائن متميّز ومستقلّ عن الرّوح القدس، وروح القدس كائن متميّز ومستقلّ عن سابقيه.
... وقد انتقد بعض رجال الكنيسة كلّ هذه التّمثيلات والتّشبيهات، وقالوا بعدم جواز ضرب الأمثال مهما كانت، لأنّ تلك الأمثال مخلوقة يمكن إدراكها بالعقل، أمّا الثّالوث فهو كائن غير مخلوق لذا لا يمكن إدراكه بالعقل، وأيّ تمثيل أو تشبيه هو تمثيل وتشبيه مع الفارق.
... قال البوصيريّ في فضح التّثليث:
ليت شعري هل الثّلاثة في الوا ... حدّ نقص في عدّكم أم نماء؟
أإله مركّب!، وما سمعنا ... بإله، لذاته أجزاء
أتراهم لحاجة واضطرار ... خلطوها وما بغى الخلطاء
أهو الرّاكب الحمار فيا عجز ... إله يمسّه الإعياء
أم جميع على الحمار لقد جلّ ... حمار يجمعهم مشّاء
أم سواهم هو الإله فما نسبة ... عيسى إليه والانتماء؟
أم أردتم بها الصّفات فلمّا ... خُصّت ثلاث بوصفه وثناء؟
أم هو ابن الإله ما شاركته ... في معاني النبوّة الأنبياء
قتلته اليهود فيما زعمتم ... ولأمواتكم به إحياء
... هل ورد ذكر الثّالوث والأقانيم الثّلاثة في العهد القديم، أو على لسان الأنبياء و الرّسل الذين سبقوا المسيح؟