فهرس الكتاب
ويغتنم أحمد بن أبي الضياف فرصة حضوره إلى باريس, رفقة سيده المشير أحمد باي مسرحية فرنسية ليشيد بالحرية فينقل لنا في رحلته فقرة من الحوار الذي دار على خشبة المسرح: (واتفق أن كان في هذه الليلة حكاية قصة, ولا أظنها إلا مقصودة, ومحصلها إجمالا أن بكرا من بنات الأكابر بالنسب, مات أبوها وبقيت مع أمها, وهي بالغ, فمالت نفسها إلى التزوج برجل من أفراد الجنس, وصار يأتيها ويحادثها, وتنكر أمها قدومه, ولما يخرج تعاتب البنت على السرور بقدوم الرجل, فتقول لها البنت:(ألهذا الرجل قادح في عرضه ومروءته?) , فتقول لها الأم: (إنه ليس من أكفائك في النسب, وفي الرجال من له قدرة على استمالة القلوب بالمحادثة وليس له وفاء, فهو في الحقيقة متحيل) , فتستحي البنت وتسكت, إلى أن قالت لبنتها, بعد خروج الرجل: (كأنك تريدين التزوج بهذا الرجل?) , فقالت لها البنت: (وما يمنعني من ذلك?) , فقالت لها: (إن نسبه ليس كنسبك) , فقالت لها البنت: (إذا كملت النفس(بالحسب) غطت نقصان النسب). فقالت لها (إن أنظارك من الأكابر لا يريدون ذلك, وإن السلطان لا يريد ذلك ويمنعك من الرضى به) , فصاحت البنت في ذلك المجمع (الحافل) : (بأي شرع يتصرف السلطان في أرواحنا بالقهر ونحن أحرار?) , وأقسمت أن تتزوج بالرجل, إظهارًا لحريتها, وخرجت فورًا إلى الكنيسة.
بل بلغ الأمر بالشيخ الزيتوني المعمم أن يعتبر أن الوطن الحقيقي ليس الوطن الجغرافي, بل الوطن الذي يستنشق فيه الإنسان نسائم الحرية, فنقل لنا هذا الحوار الذي دار بينه وبين أحمد باي, وهما يتجولان عام 1846 في شارع الشانزلزيه: