في القرآن الكريم
د. سليمان بن صالح القرعاوي
الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه، محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد: فلقد كان القرآن الكريم، وسيظل بإذن الله المصدر الثري للأمة الإسلامية في رجوعها إليه في شئونها واحتكامها إليه في قضاياها.
وهو معينها الذي لا ينضب في إرواء ظمئها العلمي والفكري وهو كنزها الذي لا يفنى في إغنائها من خزائنه لبناء تاريخها وحضارتها مهما تطاول الزمن وتعاقبت الدهور، ولقد أودع الله سبحانه معاني كتابه الكريم في قوالب لفظية عربية، وزيّنه بروعة الفصاحة والبيان، وكساه حلة البلاغة وجلال الإعجاز، فدهشت به العرب جميعًا، إذ سمعته حتى قال قائلهم:
"إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه" [1] .
وخر بعضهم ساجدًا تعظيمًا عندما سمعه يتلى، وانجذبت إليه عقول صناديد الكفر والعناد فكانوا يستمعون إليه تلذذًا وإعجابًا.
بل انقادت إليه قلوب العرب والعجم عندما كشف الستار عن جماله، وحاكى العقول، لذلك خالطت محبته بشاشة القلوب حتى أنّ الجنَّ انقادت إليه عندما رأت إعجازه وأيقنت بسلطانه:"إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهدِى إِلَى الرُّشْدِ فَئَامَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا" [2] .
لذلك أدلى الصحابة (رضي الله عنهم) بدلوهم في كشف الستار عن معانيه، ثم جاء التابعون فشاركوا في تفسيره، وما زالت ألسنة العلماء وأقلامهم تخط في تفسيره، وبيان مسالكه حتى هذا العصر، من مختلف مستوياتهم، وتنوع تخصصاتهم سواء في ذلك العلوم الدينية أو الاجتماعية أو الأخلاقية والسلوكية، وكذا الاقتصادية والسياسية والعسكرية والكونية.