فهرس الكتاب
عبرة الأحداث في قبرص [1]
الاشتباكات الجارية في قبرص، والتوتُّر السائد فيها مدعاةٌ للاستنتاج ومراقبة ما يجري، وما يمكن أن يتمخض عنه هذا النزاعُ الشديد.
ونحن إذا نظرنا إلى هذه الأحداث، لا بد لنا من إعادة الفكر عبر التاريخ؛ لنشهد قبرص في الفتوحات الإسلامية وقد انضوتْ تحت لواء الإسلام، وظلَّتْ بلدًا إسلامية في معظم أطوارها، حتى إذا ضعُف المسلمون، وتهيأت الفرصة للمستعمرين النصارى، حاول هؤلاء الصليبيون أن يُبعِدوا الجزيرةَ عن نطاق الإسلام، كما بذلوا جهودًا كبيرة في كل بلد إسلامي أو غير إسلامي؛ لجعله بلدًا مسيحيًّا خاضعًا للصليبية الحاقدة على الإسلام.
وكما حاولوا أن يقصوا الإسلام من بلاد كثيرة، وأن يقووا السيطرة المسيحية، كما فعلوا في لبنان وقبرص؛ ليكونوا مطمئنين إلى أنها لن تعود للإسلام مرة أخرى، كذلك أرادوا أن يبعدوا تركيا من حظيرة الإسلام، وصفَّقوا لكمال أتاتورك في علمانيته وابتعاده عن تاريخ تركيا المجيد، وشجَّعوه على قطع صلة بلاده بالإسلام، والنزوع إلى حضارة الغرب ومدنيته الزائفة.
ومنذ مدة قريبة أغرَوْا تركيا بالانضمام إلى السوق الأوروبية المسيحية، وليكون مصيرها كالأندلس، وربطُهم لها بالأحلاف العسكرية كان لهذه الغاية.
وكان للابتعاد بين العرب والأتراك بسبب الدعوات القومية والإقليمية أثرٌ في تورط الأتراك في التقرب من إسرائيل وفسح المجال لها، كما أن بعض الدول العربية قد أيَّدت بحماس اليونانيين في قبرص قبيل نيل الاستقلال.
ولكن اليونانيين القبارصة بذلوا الصداقة السخية لإسرائيل، وفتحوا الأسواق لها، أيَّدوها مع الأسف، وقد كانت غلطة ارتكبتْها بعض الدول العربية.
وقد آن الأوان لتدارك الخطأ بعد أن اتضح لتركيا - حسب ظننا - أن بريطانيا الصليبية
(1) اليمامة، العدد (449) في 21/ 8/83هـ.