فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 115

الاستعمار المقنَّع [1]

المستعمرون لهم طرقٌ متنوعة، وأساليبُ متعددة، وهم وإن اتفقوا غايةً وهدفًا، فقد يختلفون ذريعة وسلمًا، وقد تستعمل الدولة المستعمِرة - بكسر الميم - أنواعًا من الأساليب حسب الظروف، فهناك الاستعمار الذي يتَّسم بالقوة، وصليلِ السيوف، وأزيزِ الطائرات، وهديرِ المدافع.

وقد جربتْه بريطانيا وفرنسا والبرتغال وغيرها، إلا أن موجات التحرير استطاعتِ الإطاحة بالمستعمرين، وبأساليبهم القاسية، وقذفت بهم (إِلَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَم) ، مع أن المستعمرين لم يألوا جهدًا في ضروب الوحشية، وإزهاق الأرواح، وإبادة الممتلكات، ووسائل التعذيب، إلا أنهم فشِلوا في الاستمرار بهذه الوسائل.

وهناك استعمارٌ آخر يفضل الحذر والتخفي على البروز والمجابهة، وقد يكون في صورة شركات تجارية، تدرج من محيطها التجاري إلى نواحٍ اقتصادية أخرى، ثم لا تكتفي بذلك؛ بل تريد أن يكون لها شأن في كل أمر، وهي تجس النبض أولًا، فإن وجدَتِ انتباهًا لها، ووقفًا لمدِّها الزاحف، جمدتْ نشاطها إلى أن ترى لها فرصة سانحة، وإن لم تجد مقاومة استمرتْ في تدخُّلها في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والدينية والعسكرية.

وحينئذٍ تصبح استعمارًا مقنَّعًا أشد خطرًا من الاستعمار المكشوف، والغالب على هذه الشركات أنها تُستعمَل أدواتٍ لحكومات تقف وراءها، وتجعلها ذريعة للتمويه وإخفاء الحقائق عن الشعوب.

وقد يكون من الأدلة الواضحة أن البلاد التي تزاول فيها هذه الشركاتُ نشاطَها، تكاد تعتمد على الدول التي تنتمي إليها تلك الشركاتُ، فتجد أكثر الواردات منها، ومنها الخبراء والمستشارون في المجالات الاقتصادية والثقافية والعسكرية، ومنها المهندسون والمعلمون وغيرهم ممن يتغلغلون في حياة الأمة، ويقوون سيطرة دولتهم عليها.

(1) اليمامة، العدد 458، في 23/ 9/1383هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت