فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 115

نزاع غير منتظر [1]

هذا النزاع وقع أخيرًا بين المغرب والجزائر، كان مفاجأة غير سارة بالنسبة للعالمينِ العربيِّ والإسلامي، فلقد وقفت الدول العربية والإسلامية من قضيتَي المغرب والجزائر موقفًا كريمًا، وآزرتهما حتى تخلصتا من نِير الاستعمار الفرنسي بعد جهاد مرير، ونضال مستميت، وبعد أن نزفتْ دماء غزيرة، وأزهقتْ أنفس، وتلفتْ قرى وبساتين ومواشٍ، وكانت الفرحة الجذلى، والتهنئات الطربة باستقلال البلدين.

ولا شك أن الاستعمار لا يرحل إلا وقد خلَّف تركةً ثقيلة وراءه؛ إمعانًا في العسف، وتوغلًا في الانتقام، ولكي يظهر أن هؤلاء قوم قصر لا يستطيعون حكْمَ أنفسهم بأنفسهم، وأنهم همج، لولا تمدينُه لهم لم يكونوا شيئًا مذكورًا، وربما أمل في العودة، وقضايا الحدود في كل بلد يرحل منه الاستعمار لا بد أن يبقى جرحًا في جسم الأمة، وهذا ديدن المستعمر، وتلك خطتُه الرتيبة.

ولم نستغرب أن يكون هناك اختلاف في وجهات النظر بين المغرب والجزائر بشأن الحدود، وتعديلها على نحوٍ يزيل سوءها وميلها، ولكن المدهش أن يتطور النزاع إلى صدام مسلح، وأن تشتبك قوات الدولتين بجميع أنواع الأسلحة من دبابات، وطائرات، ومدرعات، ومدافع ثقيلة! فلقد كانت بحق مفاجأةً مذهلة! فليس هناك مبررٌ لهذا التصرف من جانب الدولتين؛ فالخلاف على الحدود أبسط من أن يصل إلى هذا الحد من القطيعة والتقاتُل، فبالمفاوضات والطرق السلمية يمكن حلُّ المشاكل بين البلدين، أما أن يحاول كل فريق فرْضَ رأيه بالقوة المسلحة، فهذا مما يسبِّب خسائرَ جسيمةً للفريقين، ويقضي على الأمل في وحدة الشمال الإفريقي (أو المغرب العربي الموحد) ، الذي هو جزء من وحدة عربية شاملة.

ومن ثَم فقد هبَّ المخلصون من العرب باذلين مساعيَهم المشكورة؛ لتخفيف حدة التوتر، وإنهاء هذه الزوبعة التي ليست في صالح الطرفين، وهذا شعور نبيل بلا تردد؛ ولكن بعض

(1) اليمامة، العدد 427، في 3/ 6/1383هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت