فهرس الكتاب
الأمة المجيدة [1]
الأيام تمرُّ سريعة، والإنسان يركض من غير ما شعور بما عساه ملاقيه، وليس فخرًا أن ينال المرء جاهًا وسلطانًا ومالًا، ولكن أن يخلد ذكرًا، ترى كم من الأوقات تضيع هباءً في الخصام والحسد والمعاداة، وقد كان سامٍ وغاية نبيلة لا تنزل إلى مستوى الإحن والأحقاد والشتائم والانتقام.
إن المجد في نشدان السمو بالأمة والوطن والبشرية جمعاء في أن ترتقي مهتدية مستنيرة، لا تتخبط في متاهات الضلال، وأوحال الشكوك، ومذاهب الهدم والتخريب، أي فخر في استطالة الإخوة على بعضهم؟! وأي عز في قتال المسلم لأخيه المسلم؟! وأي بطولة في سفْك دماء الوادعين المسالمين من غير ما ذنبٍ اقترفوه؟! ولكن الآمال لا تخبو - رغم المصائب - بأن الأمة الإسلامية ستحاول بناء مجتمعها من جديد، على أسس عقيدة من تاريخها الوضاء، وتراثها الزاهر الذي يتقبَّل كل نافع مفيد، نابذةً الاستعمارَ الفكري، والاستعمارَ العسكري، والاستعمارَ السياسي ومخلفاته، التي تريد للأمة التقهقر والتناحر في سبيل وهمٍ خادع، وسرابٍ كاذب؛ {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] ، ولقد تذكرت أبياتًا لأبي الطيب المتنبي يقول فيها:
صَحِبَ النَّاسُ قَبْلَنَا ذَا الزَّمَانَا = وَعَنَاهُمْ مِنْ أَمْرِهِ مَا عَنَانَا
وَتَوَلَّوْا بِغُصَّةٍ كُلُّهُمْ مِنْـ = ـهُ وَإِنْ سَرَّ بَعْضَهُمْ أَحْيَانَا
رُبَّمَا تُحْسِنُ الصَّنِيعَ لَيَالِيـ = ـهِ وَلَكِنْ تُكَدِّرُ الإِحْسَانَا
كُلَّمَا أَنْبَتَ الزَّمَانُ قَنَاةً = رَكَّبَ المَرْءُ فِي القَنَاةِ سِنَانَا
وخطر ببالي قولُ شوقي:
إِلاَمَ الخُلْفُ بَيْنَكُمُ إِلاَمَا = وَهَذِي الضَّجَّةُ الكُبْرَى عَلاَمَا
وَفِيمَ يَكِيدُ بَعْضُكُمُ لِبَعْضٍ = وَتُبْدُونَ العَدَاوَةَ وَالخِصَامَا
(1) نشرت في جريدة اليمامة، العدد 464، في 22/ 10/1383هـ.