منى السعيد الشريف
الوساوس من المشكلات العصيبة التي يتعرض لها عدد كبير من الناس، وهي متفاوتة في خطورتها، فقد تبدأ بأمور بسيطة عارضة حتى تصل بصاحبها إلى قضايا خطيرة، كالوساوس القهرية وما تسببه من شكوك قد تتصل بمسلمات دينية وثوابت عقدية مثل الشك في وجود الله تعالى، وفي عقيدة القضاء والقدر، وفي أداء العبادات كالطهارة والصلاة وغيرها من العبادات.
قال ابن منظور رحمه الله تعالى:"الوَسْوَسَة والوَسْواس: الصوت الخفي من ريح، والوَسْوسة والِوسْواس: حديث النفس، يقال: وَسْوَست إليه نفسه وَسْوَسَة وِوسْوَاسًا، بكسر الواو المصدر، وبالفتح الاسم، مثل الزِّلزال والزَّلزال، والوَسْوَاس بالفتح هو الشيطان، وكل ما حدثك به ووَسْوَس إليك .. ورجل مُوَسوس إذا غلبت عليه الوَسْوَسة" (1) .
وقد تناول قدماء الأطباء المسلمين موضوع الوساوس بشيء من التفصيل، ومنهم أبو زيد البلخي الذي ذكر أنَّ"المريض لا تزال تلمُّ به وساوس القلب التي قد تكون من جنس ما يحبُّ مثل عشقه شيئًا يهواه، فيعلق قلبه به ويصرف فكره في كل الأوقات إليه، ويخطر بباله كلَّ حين، ويجعله نصب وهمه دائمًا، فيمنعه ذلك من التفكير فيما سواه، ويشغله عن أكثر أعماله، وعن قضاء أوطاره .. وقد تكون الوساوس من جنس ما يخافه المريض ويخشاه من أمرٍ لعله يحلُّ به عن قريب، وأشده ما يخشى أن يصيبه في أمر بدنه وحياته فإن هذا من أصعب المخاوف وأشدها تمكنًا من القلب واستيلاءً عليه .. وهو أيضًا وسواس أصعب من الذي قبله، لأن انشغال الفكر بما يحبه الإنسان فيه حظ من اللذة، فأما انشغاله بمكروه يتوقعه فهو مؤذٍ للنفس .. وصاحب الوسواس في حال اليقظة شبيه بصاحب الأحلام المروعة في حال النوم" (2) .
ويقسم الأطباء أعراض الوساوس القهرية إلى قسمين: (الوساوس والشكوك الفكرية) و (العادات والسلوكيات) التي تترتب على هذه الوساوس. بمعنى آخر، أنه يمكن أن يوجد خلل فقط في الفكرة (الوسواس) ، أو خلل فقط في العمل (القهر) ، أو قد يكون