من عظيم حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته بخلقه، أنّه خلق الإنسان أطوارًا وأركبه طباقًا، ونقله من حالٍ إلى حال. فهو يخرج من بطن أمه ضعيفًا، نحيفًا، وهن القوى، ثم يشب قليلًا حتى يكون صغيرًا، ثم حدثًا، ثم مراهقًا، ثم شابًا، كما قال تعالى: ? الله الذي خلقكم من ضعفٍ ثم جعل من بعد ضعفٍ قوةٍ ? [الروم: 54] .
وكما ابتدأ ضعيفًا فإن الله يصيّره من بعد قوّته ضعيفًا هرمًا، حتى لا يكاد يدبّر أموره، ولا يلبي شئونه، وكما قال أسامة بن منقذ وقد أعياه حمل القلم بعد ما شاخ:
فأعجب لضعف يدي عن حملها قلمًا ... من بعد حمل القنا في لبّة الأسد
وكذلك فإن الله يبتلي بعض عباده بأنواع من العاهات، كالجنون ونحوه، مما يفقد الإنسان تمييزه، ولا ريب أن هؤلاء ليسوا بأهلٍ للتصرُّف.
فمن رحمة الله تعالى أن اعتبرت الشريعة الإسلامية الولاية على الغير في حال عجزه عن النظر في مصالحه.
ونتناول في هذه الدراسة الولاية الجبريّة على الغير في الأمور الماليّة وذلك من خلال ما سيأتيك تباعًا من تمهيدٍ وفصولٍ ثلاثة. وفق الله الجميع لهداه.
التمهيد: تعريف الولاية:
أولًا: الولاية في اللغة:
الولاية - بكسر الواو - مصدر وَلِي، ووَلَي [1] - والثانية قليلة الاستعمال [2] - يلي وهي تعني القيام على الغير وتدبيره [3] .
وتكون الولاية بمعنى القرابة والنّصرة، والمحبة [4] . فتأتي الواو مفتوحة ومكسورة [5] .
(1) شذا العرف في فن الصرف ص (69) ، وفيه أيضًا أن الولاية من الحرف؛ لذا كان قياس مصدره فعالة بكسر الفاء.
(2) المصباح المنير ص (258) (ولي) .
(3) لسان العرب (15/ 4070) ، معجم مقاييس اللغة (6/ 141) (ولي) .
(4) المرجعان السابقان.
(5) المصباح المنير ص (258) (ولي) .