فهرس الكتاب
فنجد بعض الدعاة يتحزبون ضد بعض، وبعض طلبة العلم يتحزبون ضد بعض، فيحب هذا أكثر من هذا لأن الأول من حزبه، ولو كان الثاني أتقى منه وأفضل. وهذا خطأ كبير، وهذا يحب ذاك لأنه يتبع شيخه أو إمامه، ويعادي الآخر لأنه يتبع إماما أو شيخا آخر.
فالواجب موالاة المسلمين لإيمانهم، ومعاداة الكفار لكفرهم، ولا يجوز التحزب لغير الحق، فإنه يورث الأمة التفرق والتشتت (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [1] [سورة آل عمران، الآية: 105] وهناك فرق كبير بين التحزب وبين التنافس في الخير فالتنافس مطلوب ومحمود (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ) [2] [سورة آل عمران، الآية: 133] (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ) [3] [سورة الحديد، الآية: 21] أما التحزب فمذموم، وكم أودى بأمم وجماعات وأفراد. حتى صار حال بعضهم كما قال الشاعر:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت ... وإن ترشد غزية أرشد
وعلاج التحزب بالتجرد لله -جل وعلا-، والسلامة من الهوى والتحري في المنهج، وأن نعرف الرجال بالحق، لا الحق، بقول الرجال.
واذكر الدعاء بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث:"إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" [4] .
وأخيرا: قد يقول قائل: ولكن ما العلاج؟ فأنت شخصت الداء، فهلا بينت الدواء، وعلمتنا طريق النجاة.
(1) - سورة آل عمران آية: 105.
(2) - سورة آل عمران آية: 133.
(3) - سورة الحديد آية: 21.
(4) - هناك خلط كبير بين الحزبية والانتماء، حتى أصبح الحديث عن أحدهما يراد به المعنى الآخر، مع أن هناك فرقا بينهما، فالحزبية مذمومة، إلا تحزب المؤمنين ضد الكافرين، والانتماء لأهل السنة والجماعة مشروع، ولا يذم منه إلا ما كان انتماء بدعيا أو جاهليا.