مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الولي الحميد، أحمده تعالى وهو المستحق للتمجيد، وأشكره وهو الواسع المجيد، وأصلي وأسلم على نبيه محمد سيد العبيد المبعوث برسالة التوحيد وشريعة التأصيل والتجديد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والتأييد ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المزيد وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن من فضل الله - عز وجل - على عباده أن بعث فيهم الرسل مبشرين ومنذرين - رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل - (النساء:165) ، وقد ختم الله الرسالات السماوية بشريعة نبينا محمد - التي تميزت بخصائص الشمول والكمال والخلود والصلاحية لكل زمان ومكان، مما يمكنها من وضع الحلول الناجعة لكل الأدواء والمشكلات، ومواجهة التحديات وتغير الظروف والأحوال، ومواكبة التطورات والمستجدات المتسارعة، والنوازل والمتغيرات المتعاقبة.
وحيث إن من سنة الله - - عز وجل - وجود الصراع بين الحق والباطل فقد اقتضت حكمته - تبارك وتعالى- أن يهيئ لهذا الدين من يقوم به وينافح عنه، ويجدد ما اندرس من معالمه، لاسيما مع تقادم الزمان وبعد البشرية عن مشكاة النبوة وأنوار الرسالة مصداقًا لقوله - عليه الصلاة والسلام:"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" [1] ، ولذلك ازدان عقد التاريخ عبر أحقابه المتلاحقة بكوكبة من المجددين من العلماء الربانيين الذين ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
وقد كانت مهمة هؤلاء المجددين منحصرة في إزالة كل ما علق بالدين من مظاهر المخالفات التي غيرت رونقه وبهاءه، وإعادة الناس إلى ما كانت عليه القرون المفضلة، والعودة بالدين وأصوله، ومناهج الاستدلال والاستنباط، فيه غضة طرية كما أنزلها الله وأوحاها إلى رسوله -، غير أن هذا المسلك الوضاء، والجانب المشرق اللألاء من التجديد
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم، برقم (4291) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 143) ، برقم (1870) .