والصياغة، فالخطب فيه يسير بل قد يكون مطلوبًا للوصول إلى مقاصد شرعية معتبرة من درء مفسدة راجحة، أو تحقيق مصلحة عالية.
ومن أشهر العلوم الشرعية التي طالتها أيدي أدعياء التجديد: علم أصول الفقه، ذلك العلم الذي يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فقد امتدت يد التجديد إليه ما بين مشروع وممنوع، فأما الأول فيقضي تجريد علم الأصول من الإغراق في المباحث الكلامية والمسائل الجدلية، وتدعيم قواعده بصحيح النقل والأثر وإبراز علم المقاصد الشرعية، وإعادة عرضه بما يسهل فهمه ويبعده عن الغموض والجمود والجفاف والتعقيد، والتركيز على كثرة الأمثلة والتطبيقات، وربط الفروع بالأصول، وما تجديد شيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي في هذا العلم إلا نموذج يحتذى في التجديد المشروع والذي يتطلع إليه كل محب لهذا العلم متشوف للإفادة منه، لاسيما في حل المشكلات المعاصرة، وإبراز الحكم الشرعي في المستجدات والمتغيرات والنوازل الحاضرة.
وأما الآخر: فهو التجديد الممنوع الذي يرمي إلى تخطي النصوص، وتجاوز الأحكام والإطاحة بالقطعيات، والنسف للمسلّمات، والتغيير في الأصول والكليات، والطعن في القواعد المحكمات.
وإنك لسامع هذه الأطروحات في هذا العصر تجتاح كثيرًا من الكتب والصحف والمجلات والمنتديات والساحات، لاسيما مع ثورة التقانات وتدفق شبكات المعلومات، وقد استغل كثير ممن في قلوبهم مرض هذا الجو المربد، والماء العكر، فحاولوا الاصطياد فيه طعنًا في هذا الدين، ونيلًا من علمائه، ووقيعة في دعاته وصلحائه، مما زاد الفجوة وعمق الهوة، وترك آثارًا بالغة ونتائج خطرة على المجتمعات الإسلامية، وأسهم في إيجاد سلوكيات خاطئة بين إفراط وتفريط في غياب عن المنهج الصحيح والمسلك النيّر الصريح.
ومع شدة الهجمات وخطورة التحديات فإن ممّا يؤرق الغيور ما يلمسه من الفتور في التصدي لعلاج هذه الظواهر الخطيرة، لذلك أصبح لزامًا على علماء الشريعة وطلاب العلم وشداته، لاسيما المتخصصون في علم أصول الفقه أن يبذلوا جهودهم في العمل على الحد من التردي في هذا الفكر المنحرف، وأن يتصدوا لكل الأطروحات التي تمس دينهم وفقههم، لاسيما أصوله وقواعده معالجين لكل الأدواء والظواهر الخطيرة بالأسلوب العلمي الرصين، والطرح المؤصل الرزين، في بعد عن الأسلوب العاطفي، والتلاسن والتراشق الكلامي الذي يبعد النجعة، ويعمق الشقّة؛ لأن الهدف إقامة الحجّة وبراءة الذمّة.
وانطلاقًا مما أخذ على عواتق طلاب العلم من بيان الحق، والحذر من كتمانه ومشاركةً في الدفاع عن هذا الدين أصوله وفروعه، ورد الأخطار المحدقة به، وحرصًا في تجلية الحق