الصفحة 54 من 69

إنّ رسالة الإسلام قائمة في العبادة والتشريعات على الرحمة، التي تتمثل في رفع الحرج والمشقة، ليس في الشريعة مشقة بالمعنى الصحيح الشرعي وليس فيها عناء ولا عنت، وإنما هي عين اليسر وذات السماحة، قال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) النساء: من الآية 29. وقد جاءت مناسبة تمامًا لفطرة الناس وطاقته كيفما كانت سلبًا أو إيجابا، وهي تناسب جميع ظروف الإنسان وأحواله، ودون أدنى حرج أو مشقة، وصدق رب العزة إذ يقول تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة:6، ويقول: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍُ) الحج:78. ورحمة الإسلام مع أعدائه ومخالفيه والناقمين عليه المتربصين به، كما هي رحمته بمن آمن به وصدقه رحبة ندية فياضة، ودعا فيما دعا وأوجب أن تقوم علائق أمته فيما بينها على الرحمة والمودة والتعاطف استجلابًا لرحمة الخالق سبحانه وتعالى، فإنّه عز وجل يرحم من عباده الرحماء، فقال صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) . (1) والرسول صلى الله عليه وسلم قال عن نفسه: (إنما أنا رحمة مهداة) . والآيات القرآنية الكريمة لتشمل برحمتها الإنسان وتدعوه إلى التوبة، وتحذره من اليأس والقنوط. يقول تعالى: (كتب على نفسه الرحمة) الأنعام:12، ويقول سبحانه: (إن رحمة اللّه قريب من المحسنين) الأعراف:56، ويقول تعالى: (فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة) الأنعام:147 ويقول تعالى: (وربك الغفور ذو الرحمة) الكهف:58. وهناك أمثلة كثيرة تعبر عن الرحمة الإلهية

(1) - رواه أحمد في المسند 6494، 2/269، والترمذي، رقم 1922، 4/232، باب ما جاء في رحمة المسلمين، ورواه الحاكم في المستدرك، رقم 7274، 41/174، ثمّ قال:وهذه الأحاديث كلها صحيحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت