فهرس الكتاب
غير أن يخرج المسلمون عن نطاق الحق، عدم تجاوز العدوان حدوده. ثم التقوى في القتال - أى مجانية الخروج عن الحدود التى رسمها الإسلام لرد الاعتداء - والتقوى هنا شعور إسلامى خالص يزع المسلم أن يتجاوز حدود إنسانيته وإسلاميه حتى في ميدان القتال، حتى ولو أفرط الخصم في عدوانه .. كل ذلك لئلا يتخلى الخير عن خواصه ولا المسلم عن نهجه ولا أن تنزلق الفضيلة لتنازع الرذيلة في خواصها، لأن أخلاقيات المسلم الذى رباه"محمد" (- صلى الله عليه وسلم -) لابد أن تظهر في كل أعماله حتى ولو كان ذلك في مشتجر السيوف وساحات القتال. (2)
ثالثًا: أن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) حينما أذن له بالقتال وفتح البلدان لم يكره أحدًا على الدخول في الإسلام وإنما أفسح المجال أمام الشعوب - التى كانت مستعبدة - لتتعرف على الإسلام وأخلاقياته ومبادئه وتوازن بين ما هم فيه من نظم أو ديانات فتختار عن حرية واعتقاد دون إكراه ما يتفق وحريتها.
والإسلام لم يجعل الإكراه وسيلة من وسائل الدخول فيه، بل جعل وسيلة ذلك إعمال العقل والفكر في حرية ودون أى قيود فقال سبحانه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ} (3) وإنما مهمة الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) هى البلاغ بالدعوة ابتداء، والتبيان بالحجة انتهاء: {إِنْ عَلَيْكَ إِلاّ الْبَلاَغُ} (4) .
فلم يكن السيف لقهر الناس وإجبارهم على اعتناق الإسلام، وإنما لضمان حرية الرأى والتخلية بين الناس والدعوة إلى الله، ثم بعد ذلك: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} (5) .
ولو أن الإسلام قهر الشعوب بالسيف - كما يزعمون - فكيف نفسر وجود أبناء ديانات أخرى في البلاد المسيحية، وما بقى في البلاد المفتوحة من يعتنق غير الإسلام سواء عن قناعة أو قهر وما بقيت معابد النار تملأ بلاد فارس وكرمان وخراسان بعد فتح المسلمين لهذه البلاد .. ولكن شاءت إرادة الله أن يُحمل السيف لا ليقهر الناس ولكن ليؤدب به الذين يحولون دون وصول العقيدة الصحيحة للناس ثم بعد ذلك من شاء آمن ومن شاء بقى على عقيدته. ولذلك كان الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) يقول لرجاله:"تألفوا الناس وتأنوا بهم، ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل مدر ولا وبر، أن تأتونى بهم مسلمين أحب إلى من تأتونى بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم" (6)
إن نبينا محمدًا (- صلى الله عليه وسلم -) قد جعل ميدان القتال - كما ذكرنا سابقًا - ميدانًا للتحضر الإنسانى الراقى. فأعلن القانون الإسلامى العظيم الذى يجمع فيه أصول الرحمة - وهى الاعتبارات الإنسانية - مع الملحمة - وهى المتطلبات الضرورية. فقال (- صلى الله عليه وسلم -) : (أنا نبى المرحمة، وأنا نبى الملحمة) وهما متناقضين لم
(1) البقرة 193 (2) راجع: في ظلال القرآن لسيد قطب. (3) البقرة 456 (4) الشورى 48 (5) الكهف 29
(6) راجع: خاتم النبيين للإمام محمد أبو زهرة ص 2، دار الفكر العربى مصر.
يستطع أى قانون بشرى أن يوفق بينهما. وذلك حتى يستقر في قلب المسلم المجاهد بأن يضرب بيد العدالة لا بيد البطش والتنكيل، وعندما تضرب في الملحمة يكون لدرء الفتن وتحقيق الأمان وليس لإعلاء جاه ولا سلطان. فجعل (- صلى الله عليه وسلم -) التقاء المرحمة والملحمة التقاء تكامل وليس التقاء نقيضين ... التقاء لتحرير