أخرج النسائي أيضا من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة بلفظ"إني لاستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة"واخرج النسائي أيضا من طريق عطاء عن أبي هريرة"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الناس فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله، فاني أتوب إليه في اليوم مائة مرة"وله في حديث الأغر المزني رفعه مثله، وهو عنده وعند مسلم بلفظ"إنه ليغان على قلبي واني لاستغفر الله كل يوم مائة مرة"قال عياض: المراد بالغين فترات عن الذكر الذي شانه أن يداوم عليه، فإذا فتر عنه لأمر ما عد ذلك ذنبا فاستغفر عنه .
وقيل هو شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس، وقيل هو السكينة التي تغشى قلبه والاستغفار لإظهار العبودية لله والشكر لما أولاه، وقيل هي حالة خشية وإعظام والاستغفار شكرها، ومن ثم قال المحاسبي: خوف المتقربين خوف إجلال وإعظام .
وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي: لا يعتقد أن الغين في حالة نقص، بل هو كمال أو تتمة كمال .
ثم مثل ذلك بجفن العين حين يسبل ليدفع القذى عن العين مثلا فانه يمنع العين من الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال .
هذا محصل كلامه بعبارة طويلة، قال: فهكذا بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم متعرضة للاغيرة الثائرة من أنفاس الأغيار فدعت الحاجة إلى الستر على حدقة بصيرته صيانة لها ووقاية عن ذلك انتهى .
وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية .
وأجيب بعدة أجوبة: منها ما تقدم في تفسير الغين، ومنها قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها احد، والأنبياء وان عصموا من الكبائر فلم يعصموا من الصغائر .
كذا قال، وهو مفرع على خلاف المختار، والراجح عصمتهم من الصغائر أيضا .
ومنها قول ابن بطال: الأنبياء اشد الناس اجتهادا في العبادة لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير انتهى .