الصفحة 109 من 423

وكما أشير من قبل أن خلق الكذب يكتسب من البيئة، وأن الطفل لا يولد كذابًا فإن أول طريق وأعظم طريق يتعلم الولد ويكتسب من خلاله الكذب ويعتاده: هو عن طريق الوالدين والإخوة، وكل من يحتك به ويعايشه يوميًا، فالوالد الذي لا يفي بوعوده للولد ولا ينجزها له يتعلم الولد منه الكذب ويقتدي به في ذلك؛ لهذا حذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا فقال: (( إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ولا أن يعد الرجل ابنه ثم لا ينجز له ) )، وذلك لأن الولد يعتاد الكذب ويقتدي بوالده في ذلك. وأعجب من هذا أن يصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - التمويه للطفل بأي شيء لاجتذابه دون أن يُعطى من الكذب حيث قال: (( من قال لصبي تعال هاك ثم لم يعطه فهي كذبة ) )، وهكذا تعاليم الشريعة العظيمة تحتاط من الكذب حتى على الصبي الصغير الذي لا يعقل، وما ذاك إلا لاستئصال هذه الصفة القبيحة، وعدم تعويد الطفل عليها، فإن حدث أن اضطر الوالد إلى عدم الوفاء للولد بوعد ما سارع إلى توضيح القضية له والمبررات، وذلك لئلا يقع في نفسه أن والده يكذب عليه.

ومن الكذب التمويهي الذي يعمله بعض الآباء وله أثر سيئ على الولد يظهر أحيانًا عندما يتظاهر الوالد بمعاقبة أحد الأولاد لأنه ضرب أخاه الصغير، فيمثل الأب أنه يضربه وهو في الحقيقة لا يضربه، فهذا السلوك الخاطئ من الأب يعلم الولد المشتكي الكذب والغش، إذ إنه يعلم أن والده يكذب عليه، إلى جانب أن الولد المُعاقب هو أيضًا يتعلم مشروعية الكذب بهذه الطريقة، وبهذا الأسلوب الخادع.

ويراعي الأب مع الولد الكبير أن لا يُكذِّبه فيما يروي له بل يصدقه، فإن تيقن من كذب رواية ما واجهه بذلك في غير اتهام قائلًا:"هل أنت متأكد من هذه القصة يا بني؟ فإن الله يراك ويسمعك"، وبهذه الطريقة يعلق الأب الولد بجانب العقيدة والغيب، فيعلم أن هناك رقيبًا عليه يحصي كذبه وصدقه، فيكون ذلك مدعاة له لالتزام الصدق وتجنب الكذب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت