الصفحة 178 من 423

ولا يقصد من هذا التحذير والتنبيه عزل الولد مطلقًا عن قرنائه من الأطفال، والحجر عليه للحفاظ على أخلاقه وسلوكه، فهذا النهج المستبعد الوقوع يعد سلبية وتشاؤمًا؛ إذ إن وجود الطفل-في بعض الأوقات- في محيط من الأطفال يعد من العوامل الأساسية والهامة في التربية؛ إذ يتعلم الولد من خلال الجماعة كيف يعامل غيره، ويتدرب على تقديم التضحيات المختلفة مسايرة لإرادة الجماعة، وليكون مقبولًا عندها، وهذه الفوائد التربوية وغيرها مما يتحصله الولد عن طريق أصدقائه وقرنائه، لايمكن أن يتحصل عليه بدونهم، فيكون القصد إذًا من هذا التحذير هو حفظ الولد من قرناء السوء الذين يضرونه ويؤذونه، وفي الجانب الآخر ربطه بقرناء الخير من الصالحين الذين يمكن أن ينفعوه ويعينوه على الخير، ويحضُّوه عليه.

ولا شك أن تكوين محيط اجتماعي صالح خيِّر للولد لا سيما في مثل هذه الظروف التى تعيشها الأمة الإسلامية اليوم يعد أمرًا صعبًا شاقًا، ولكنه ليس بالمستحيل المتعذر الوقوع والتحقق؛ إذ يمكن للأب المسلم أن يجعل من بيته، وبيوت بعض أقاربه، وأصحابه، مجتمعًا صالحًا يمارس فيه الأولاد السلوك الإسلامي السوي، حتى يشتد عودهم، وتقوى إرادتهم، ويملكوا القدرة على التمييز بين الخبيث والطيب، ثم يمكَّنوا بعد ذلك من الدخول والمشاركة في المحيط الاجتماعي العام الذي لا بد لهم منه.

ولا يعني هذا أنهم لن يتأثروا ببعض سلبيات وانحرافات المحيط الخارجي، فإن التأثر به لا شك واقع، ولكن مع وجود هذا المجتمع الصغير الصالح، يكون التأثير ضعيفًا ليس بالقوي، وذلك لقلة الاحتكاك به، وقيام أفراد ذلك المجتمع الصغير الصالح بإزالة ما يقع في نفوس الصغار وعقولهم من الأفكار، والأخلاق المنحرفة أولًا بأول، فلا يسمحون لها بالتراكم والتمكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت