فهرس الكتاب
فالطفل في صغره خال من المسؤوليات صغيرها وكبيرها، فيتدرج في تحملها شيئًا فشيئًا بدءًا بتحمل أعباء خلع الملابس وارتدائها، إلى قضاء الحاجة، إلى الأدب في مجالس الكبار والصمت، إلى التحكم في العواطف والانفعالات، إلى أن يؤهل لتحمل المسؤولية الكبرى والأمانة العظمى التي كلف بها البشر كما قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72] ، فهذه الأمانة لا يمكن أن يتحملها البالغ الراشد؛ إلا بعد أن يتدرب على تحمل المسؤوليات الصغرى، ويتدرج في تحملها من الأسهل إلى الصعب، لهذا كان دور الوالد هامًا في تدريب ولده على الثقة بنفسه، وتحمل الأعباء.
وللوالد في السلف الصالح القدوة في ذلك، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سأل بعض الصحابة عن آية في القرآن الكريم فلم يعرفوا الإجابة، وكان بينهم عبد الله بن عباس وهو صغيرالسن فقال:"في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك"فأجابه. ويعلق على هذا الحديث ابن حجر، فيقول:"وفي الحديث قوة فهم ابن عباس، وقرب منزلته من عمر، وتقديمه له من صغره، وتحريض العالم تلميذه على القول بحضرة من هو أسن منه إذا عرف فيه الأهلية لما فيه من تنشيطه، وبسط نفسه، وترغيبه في العلم"، والشاهد هنا هو تشجيع الولد على الإقدام، وإعطاؤه الثقة في نفسه، وهذا كان واضحًا من فعله - رضي الله عنه - رغم وجود كبار الصحابة في مجلسه.