يردد الوعاظ والخطباء والمحدثون حديث المصطفى صلى الله عليه وسل الذي يقول فيه ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها) قلنا يا رسول الله:أمن قلة بنا يومئذ؟ قال ( إنكم يومئذ كثير ، ولكن تكون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن) قلنا وما الوهن؟ قال (حب الحياة وكراهية الموت) (1) ويبذل هؤلاء جهودًا في شرح الحديث واستنباط الفوائد منه ، ويحذرون المسلمين من تداعي الأمم عليهم ، ولعلهم يشرحون لهم صورًا من تداعي الأمم على المسلمين ، وأحب هنا أن أتناول صورة من هذا التداعي مما لا يلتفت إليه إلاّ القليل.
بعد أن خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب العالمية الثانية منتصرة ، وأصبحت قوة عظمى، وتغيرت موازين القوى في العالم كان لا بد لها أن تتعلم من الأوروبيين الذين كانوا يسيطرون على معظم أرجاء العالم الإسلامي كيف كانوا يُحكِمون سيطرتهم عليه، فماذا هم متعلمون؟
بدأت وزارة الدفاع الأمريكية باستصدار قانون يخولها الإنفاق بسخاء على برامج الدراسات العربية والإسلامية وبرامج دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأمريكية ، وفي مراكز البحوث والمؤسسات العلمية المختلفة ، واستعانت في هذا الأمر بمجموعة من المستشرقين الأوروبيين الذين تركوا بلادهم إلى العالم الجديد لأنهم أدركوا اهتمام أمريكا بخبراتهم.
وانتشرت مراكز الدراسات العربية الإسلامية وأقسام الشرق الأوسط في الجامعات والمعاهد العلمية الأمريكية حتى تجاوز عددها المئات ، وبدأت نشاطًا محمومًا في دراسة العالم الإسلامي. وبعد مضي فترة من الزمن لم تطل كثيرًا أصبحت هذه المراكز عصب السياسة الأمريكية تمد السياسيين بالمعلومات والمقترحات والآراء والخطط، وحدث تبادل في المراكز فكم من مستشرق أو متخصص في الدراسات العربية الإسلامية انتقل إلى العمل السياسي ، وكم سياسي ترك السياسة إلى العمل الجامعي والبحث والدراسة.