التي نقلت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيها مقصرا، أو أنه جعل لها حكم المسافر.
فالفريق الاول احتجوا بمذهبهم بما روي: أنه عليه الصلاة والسلام أقام بمكة ثلاثا يقصر في عمرته وهذا ليس فيه حجة على أنه النهاية للتقصير، وإنما فيه حجة على أنه يقصر في الثلاثة فما دونها.
والفريق الثاني احتجوا لمذهبهم بما روي: أنه أقام بمكة عام الفتح مقصرا، وذلك نحوا من خمسة عشر يوما في بعض الروايات، وقد روي سبعة عشر يوما وثمانية عشر يوما، وتسعة عشر يوما.
رواه البخاري عن ابن عباس وبكل قال فريق.
والفريق الثالث احتجوا بمقامه في حجه بمكة مقصرا أربعة أيام وقد احتجت المالكية لمذهبها: أن رسول الله (ص) جعل للمهاجر مقام (ثلاثة أيام بمكة مقاما) بعد قضاء نسكه فدل هذا عندهم على أن إقامة ثلاثة أيام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم السفر، وهي النكتة
التي ذهب الجميع إليها، وراموا استنباطها من فعله عليه الصلاة والسلام: أعني متى يرتفع عنه بقصد الاقامة اسم السفر، ولذلك اتفقوا على أنه إن كانت الاقامة مدة لا يرتفع فيها عنه اسم السفر بحسب رأي واحد منهم في تلك المدة، وعاقه عائق عن السفر أنه يقصر أبدا، وإن أقام ما شاء الله.
ومن راعى الزمان الاقل من مقامه تأول مقامه في الزمان الاكثر مما ادعاه خصمه على هذه الجهة، فقالت المالكية مثلا: إن الخمسة عشر يوما التي أقامها عليه الصلاة والسلام عام الفتح إنما أقامها، وهو أبدا ينوي أنه لا يقيم أربعة أيام، وهذا بعينه يلزمهم في الزمان الذي حدوه.
والاشبه في المجتهد في هذا أن يسلك أحد أمرين: إما أن يجعل الحكم لاكثر الزمان الذي روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيه مقصرا، ويجعل ذلك حدا من جهة أن الاصل هو الاتمام فوجب ألا يزاد على هذا الزمان إلا بدليل، أو يقول: إن الاصل في هذا هو أقل الزمان الذي وقع عليه الاجماع، وما ورد من أنه عليه الصلاة والسلام أقام مقصرا أكثر من ذلك الزمان، فيحتمل أن يكون أقامه لانه جائز للمسافر، ويحتمل أن يكون أقامه بنية الزمان الذي تجوز إقامته فيه مقصرا باتفاق، فعرض له أن أقام أكثر من ذلك، وإذا كان الاحتمال، وجب التمسك بالاصل، وأقل ما قيل في ذلك يوم وليلة، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وروي عن الحسن البصري أن المسافر يقصر أبدا إلا أن يقدم مصرا من الامصار، وهذا بناء على أن اسم السفر واقع عليه حتى يقدم مصرا من الامصار، فهذه أمهات المسائل التي تتعلق بالقصر.
الفصل الثاني: في الجمع وأما الجمع، فإنه يتعلق به ثلاث مسائل: إحداها: جوازه.
والثانية: في صفة الجمع.
والثالثة في مبيحات الجمع.
المسألة الاولى: أما جوازه فإنهم أجمعوا على أن الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة سنة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة أيضا في وقت العشاء سنة أيضا.