المبحث الرابع
طريقة إحياء المولد
قال المقريزي في (( الخطط ) )يصف جلوس الخليفة في الموالد الستة:
(( فإذا كان اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، تقدَّم - الخليفة - بأن يعمل في دار الفطرة [1] : عشرون قناطرًا من السكر اليابس حلواء يابسة من طرائفها، وتعبأ في ثلاثمائة صينية من النحاس، وهو مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فتفرق تلك الصواني في أرباب الرسوم من أرباب الرتب، وكل صينية في قوارة [2] ، من أول النهار إلى ظهره، فأول أرباب الرسوم قاضي القضاة، ثم داعي الدعاة، ويدخل في ذلك القراء بالحضرة والخطباء، والمتصدرون بالجوامع، وقومة المشاهد
فإذا صلَّى الخليفة، ركب قاضي القضاة، والشهود بأجمعهم إلى الجامع الأزهر [3] ، ومعهم أرباب تفرقة الصواني، فيجلسون مقدار قراءة الختمة الكريمة، ثم يستدعى قاضي القضاة ومن معه، وقد كنست الطريق، ورشت بالماء رشًا خفيفًا، وفرش تحت المنظرة [4] الرمل الأصفر، فيقربون من المنظرة ويترجلون قبل الوصل إليها بخطوات، فيجتمعون تحت المنظرة دون الساعة الزمانية بسمت وتشوف لانتظار الخليفة، فتفتح إحدى الطاقات [5] ،فيظهر منها وجهه-الخليفة-وما عليه من المنديل وعلى رأسه عدة من الأستاذين [6] المحنكين، وغيرهم من الخواص، ويفتح بعض الأستاذين طاقة ويخرج منها رأسه ويده اليمنى في كمه ويشير به قائلًا: أمير المؤمنين يرد عليكم السلام. فيسلم بقاضي القضاة أولًا بنعوته، وبصاحب الباب بعده كذلك، وبالجماعة الباقية جملة جملة من غير تعيين أحد، فيستفتح قراء الحضرة بالقراءة، ويكونون قيامًا في الصدر، وجوههم للحاضرين، وظهورهم إلى حائط المنظرة،
(1) - تقع خارج القصر، بناها العزيز بالله، وقرر فيها ما يعمل، مما يحمل إلى الناس في العيد، وهي قبالة باب الديلم من القصر، الذي يدخل منه إلى المشهد الحسيني.
يراجع: الخطط المقريزي (1/ 425) .
(2) - القوارة: مشتقة من قوارة الأديم والقرطاس، وهو ما قورت من وسطه ورميت ما حواليه، كقوارة الجيب إذا قورته وقرته، وكل شيء قطعت من وسطه خرقًا مستديرًا فقد قورته.
يراجع: لسان العرب (5/ 123) مادة (قور) .
(3) - هو أول مسجد أسس بالقاهرة، والذي أنشأه القائد جوهر الصقلي مولى المعز لدين الله، لما اختط القاهرة، وشرع في بنائه سنة 359هـ وكمل بناؤه سنة 361هـ.
يراجع: الخطط المقريزي (2/ 273) .
(4) - المنظرة: موضع في رأس جبل فيه رقيب ينظر العدو، والمنظرة المرقبة. يراجع: لسان العرب (5/ 217) مادة (نظر) .
والمراد بها هنا: هي الأماكن التي كان يشرف منها الخلفاء العبيديون على الاحتفال ببعض الأعياد. يراجع: تاريخ الدولة الفاطمية ص (634) .
(5) - الطاقات: جمع طاق، وهو ما عطف من الأبنية، هو الذي يعقد بالآجر. يراجع: لسان العرب (10/ 232، 233) .
(6) - هم الخدم والطواشية، ومنهم أرباب الوظائف المختصون بشئون الخليفة واحتياجاته، وأعظمهم مكانه الأستاذون المحنكون الذين يديرون عمائمهم على أحناكهم، وهم أقرب الخدام إلى الخليفة، ومنهم من يحمل رسائل الخليفة إلى الوزير، ومن يشرف على إعداد مجلسه الخ. يراجع: صبح الأعشى (3/ 477) .