الصفحة 44 من 45

قال الله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [1] . فذكره مرفوع في الأذان والإقامة، والخطب والصلوات، وفي التشهد والصلاة عليه في الدعاء وعند ذكره، فلقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( البخيل من ذُكرت عنده فلم يصل علي ) ) [2] .

وتعظيمه يحصل بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألاَّ يُعبد الله إلا بما شرع.

فهو أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط، ولو كان هذه الاحتفالات خيرًا نحضًا، أو راجحًا لكان السلف الصالح - رضي الله عنهم - أحق بها منا، فإنهم كانوا أشدّ منا محبة وتعظيمًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم على الخير أحرص، ولكن قد لا يتجاوز أمر أصحاب هذه الموالد ما ذكره بعض أهل العلم: من أن الناس إذا اعترتهم عوامل الضعف والتخاذل والوهن، راحوا يعظمون أئمتهم بالاحتفالات الدورية، دون ترسم مسالكهم المستقيمة؛ لأن تعظيمهم هذا لا مشقة على فيه النفس الضعيفة، ولا شك أن التعظيم الحقيقي هو طاعة المعظم، والنصح له، والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمره، ويعتز بها دينه، إن كان رسولًا، وملكه إن كان ملكًا.

وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم للخلفاء الراشدين من بعده، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل، إلا أن تعظيمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين، لم يكن كتعظيم أهل هذه القرون المتأخرة، ممن ضاعت منهم طريقة السلف الصالح في الاهتداء والاقتداء، وسلكوا طريق الغواية والضلال في مظاهر التعظيم الأجوف، ولا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحقّ الخلق بكل تعظيم يناسبهم، إلاَّ أنه ليس من تعظيمه أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص، أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به، كما أنه ليس من تعظيمه- عليه الصلاة والسلام - أن نصرف له شيئًا مما لا يصلح لغير الله من أنواع التعظيم والعبادة

والخلاصة: أن الاحتفال بالمولد من البدع المنكرة، وقد كتبنا فيها رسالة مستقلَّة فيها مزيد تفصيل ... والله ولي التوفيق) ا. هـ [3] .

(1) - سورة الشرح:4.

(2) - رواه الإمام أحمد في مسنده (1/ 201) . ورواه الترمذي في سننه (5/ 211) أبواب الدعوات، حديث رقم (3614) ، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.

(3) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن لإبراهيم (3/ 54 - 56) . وللشيخ - رحمه الله - ورسائل كثيرة في إنكار بدعة المولد، بعضها مطول، وبعضها مختصر، فلتراجع في الجزء الثالث من الفتاوى.

وممن كتب أيضًا في إنكار بدعة المولد الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد - رحمه الله - وذلك في رسالة لطيفة، وكذلك الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - وذلك من خلال الصحف والمجلات، وله رسائل مطبوعة في هذا الموضوع إلى غير هؤلاء من العلماء الذين لا يتسع المجال لذكر كتاباتهم التي جاءت على شكل ردود على القائلين بشرعية الاحتفال بالمولد النبوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت