الصفحة 8 من 45

المبحث الثاني

حالة المجتمع في ذلك العصر

كانت سياسة العبيديين موجهة إلى غاية واحد، هي العمل بكل جدِّ وإخلاص لحمل الناس على اعتناق مذهبهم، وجعله سائداُ في كافة أنحاء الديار المصرية، وغيرها من البلاد التي كانوا يحكمونها، والمجاورة لهم.

فقد كان عبد العزيز يعطف على النصارى واليهود، كما كان أبوه - المعز معد أبو تميم - قبله، ولكن العزيز كان أكثر عطفًا على النصارى، لِما كان بينه وبينهم من صلة النسب [1] .

ورفع العزيز عيسى بن نسطورس إلى كرسي الوزارة، كما عيَّن منشأ اليهود، واليًا على الشام، فأظهر ابن نسطورس ومنشأ محاباة جليَّة لبني ملتهم، فعينوهم في مناصب الدولة بعد أن أقصوا المسلمين عنها، فقدم المسلمون الاحتجاجات على تلك المحاباة التي أظهرها الخليفة لغير المسلمين وبلغ من حال هؤلاء الساخطين أن كتبت امرأة إلى العزيز: بالذي أعز اليهود بمنشأ، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك ألا كشفت ظلامتي [2] .

فأمر بالقبض على ابن نسطورس، وكتب إلى الشام بالقبض على منشأ وغيره من الموظفين اليهود، وأمر برد الدواوين والأعمال إلى الكتاب المسلمين، وعيَّن القضاة للإشراف على أعمالهم في جميع أنحاء الدولة، لكن الأمير ست الملك ابنة الخليفة شفعت لابن نسطورس فردّ العزيز الوزارة إليه ثانية، وشرط عليه استخدام المسلمين في الحكومة.

ولقد تقلد أهل الكتاب أرقى المناصب وأعلاها في عهد العزيز (365 - 376) ، وشغلوا في عهد المستنصر (427 - 487) ، ومن جاء بعده من الخلفاء، معظم المناصب المالية في الدولة، بل تقلَّدُوا الوزارة أيضًا.

ولم تقتصر هذه المعاملة على ما تقدم، فقد ولع بعض الخلفاء العبيديين: كالحافظ مثلًا (524 - 544هـ) بزيارة أديرة [3] النصارى، وكان الآمر (495 - 524هـ) يعطي الرهبان [4] في بعض الأديرة

(1) - فقد تزوج بنصرانية واستعمل أخويها على بعض الكنائس. يراجع الدولة الفاطمية ص (202) .

(2) - يراجع: البداية والنهاية (11/ 358) ،والمنتظم (7/ 190) ،واتعاظ الحنفا (1/ 297) .

(3) - أديرة: جمع دير، وهوخان النصارى، وبيت يتعبد فيه الرهبان، ويكون في الصحاري ورؤوس الجبال، وإذا كان داخل المصر فهو كنيسة أو بيعة. يراجع: لسان العرب (4/ 300، 301) مادة (دير) ، ومعجم البلدان (2/ 495) .

(4) - الراهب: المتعبد في الصومعة، وأحد رهبان النصارى، وكانوا يترهبون بالتخلي عن أشغال الدنيا، وترك ملاذها، والزهد فيها. يراجع: لسان العرب (4/ 437، 438) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت