يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . وَمَنْ كَذَّبَ هَؤُلَاءِ تَكْذِيبًا بِجِنْسِ الرِّسَالَةِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يُكَذِّبُ الْجَمِيعَ ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ تَعَالَى: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ } وَلَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِمْ قَبْلَ نُوحٍ أَحَدًا وَقَالَ تَعَالَى: { وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ } . وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ والمتفلسفة طَاعِنًا فِي جِنْسِ الرُّسُلِ كَمَا قَدَّمْنَا بِأَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا الْحَقَّ أَوْ لَمْ يُبَيِّنُوهُ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ كَاَلَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: { الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } { إذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ } { فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ } وَقَالَ تَعَالَى: { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ } وَقَالَ تَعَالَى عَنْ الْوَلِيدِ: { إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ } { فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } { ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } { ثُمَّ نَظَرَ } { ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ } { ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ } { فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ } { إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ } . وَأَهْلُ الْكِتَابِ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِجِنْسِ الرِّسَالَةِ لَكِنْ يَكْذِبُ بَعْضُ الرُّسُلِ كَالْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ فَهَؤُلَاءِ لَمَّا آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ كَانُوا كَافِرِينَ حَقًّا وَكَثِيرٌ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ لَا يُكَذِّبُ الرُّسُلَ تَكْذِيبًا صَرِيحًا وَلَا يُؤْمِنُ بِحَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ بَلْ يُقِرُّ بِفَضْلِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ كَوْنِهِ يَقُولُ: إنَّ غَيْرَهُمْ أَعْلَمُ مِنْهُمْ ؛ أَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يُبَيِّنُوا الْحَقَّ أَوْ لَبَّسُوهُ ؛ أَوْ إنَّ النُّبُوَّةَ هِيَ فَيْضٌ يَفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ مِنْ جِنْسِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ وَلَا يُقِرُّ بِمَلَائِكَةٍ مُفَضَّلِينَ وَلَا بِالْجِنِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ يُقِرُّونَ بِبَعْضِ صِفَاتِ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ بَعْضٍ ؛ وَبِمَا أُوتُوهُ دُونَ بَعْضٍ وَلَا يُقِرُّونَ بِجَمِيعِ مَا أُوتِيَهُ الْأَنْبِيَاءُ وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمْ شَرًّا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ أَقَرُّوا بِجَمِيعِ صِفَاتِ النُّبُوَّةِ لَكِنْ كَذَّبُوا بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ ؛ فَإِنَّ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ هَؤُلَاءِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ ؛ إذْ كَانَ هَؤُلَاءِ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَيُقِرُّونَ بِقِيَامِ الْقِيَامَةِ وَيُقِرُّونَ بِأَنَّهُ تَجِبُ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيُقِرُّونَ بِالشَّرَائِعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا . وَأُولَئِكَ يُكَذِّبُونَ بِهَذَا وَإِنَّمَا يُقِرُّونَ بِبَعْضِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلِهَذَا كَانَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَقَلَّ كُفْرًا مِنْ الْمَلَاحِدَةِ الْبَاطِنِيَّةِ والمتفلسفة وَنَحْوِهِمْ لَكِنْ مَنْ كَانَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَدْ دَخَلَ مَعَ هَؤُلَاءِ فَقَدْ جَمَعَ نَوْعَيْ الْكُفْرِ ؛ إذْ لَمْ يُؤْمِنْ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِمْ وَلَا بِجَمِيعِ أَعْيَانِهِمْ وَهَؤُلَاءِ مَوْجُودُونَ فِي دُوَلِ الْكُفَّارِ كَثِيرًا كَمَا يُوجَدُ أَيْضًا فِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ إذْ كَانُوا فِي دَوْلَةِ الْمُسْلِمِينَ . وَأَهْلُ الْكِتَابِ كَانُوا مُنَافِقِينَ فِيهِمْ مِنْ النِّفَاقِ بِحَسَبِ مَا فِيهِمْ مِنْ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقُ يَتَبَعَّضُ وَالْكُفْرُ يَتَبَعَّضُ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ كَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ } وَقَالَ: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ