فلما كان القرآن الكريم بهذه المنزلة لا جرم أن المسلمين أقبلوا عليه ودافعوا عنه، واعتبروا أن كل عدوان على القرآن هو عدوان على اللغة العربية، وأن النيل من اللغة العربية هو نيل من القرآن، ولذلك فإن بقاء اللغة العربية إلى اليوم وإلى ما شاء الله راجع إلى الدفاع عن القرآن، لأن الدفاع عنه -لكونه أصل الدين ومستقى العقيدة- يستتبع الدفاع عنها لأنها السبيل إلى فهمه، بل لأنها السبيل إلى الإيمان بأن الإسلام دين الله، وأن القرآن من عند الله لا من وضع أحد (1) .
يقول الباقوري (2) :"ولو فرضت أنه نزل كما نزل غيره من الكتب المقدسة، حكمًا وأحكامًا، وأمرًا ونهيًا، ووعدًا ووعيدًا، ولم يتحر هذا الأسلوب الذي جاء به، فلم يعن الناس بلفظه ولم ينظروا إليه قولًا فصلًا، وبيانًا شافيًا، وبلاغة معجزة، لكان من الممكن أن تزول هذه اللغة بعد أن يضعف العنصر الذي يتعصب لها على أنها لغة قومية، ومن ذلك تضعف هي وتتراجع حتى تعود لغة أثرية. وفي اللغة العبرية ما يؤكد هذا، فإنها -وهي لغة كتاب مقدس -صارت إلى ذمة التاريخ، ولو أن التوراة جاءت كما جاء القرآن فتحدت اليهود على النحو القرآني لاحتفظوا بلغتهم لأن في ذلك احتفاظًا بمعجزة نبيهم، فكان ممكنًا أن نرى لغة موسى عليه السلام".
ويبدو هذا الأمر واضحًا لمن تتبع اللغات وما تعرضت له من انقسام وانشطار واندثار بعد أن كانت لغة عالمية محكية وصناعية، وليست اللغة اللاتينية عنا ببعيدة فقد كانت لغة حضارة وسطوة وقوة فبقيت أثرًا بعد عين.
(1) حول أثر القرآن الكريم في اللغة العربية، ينظر بالتفصيل ما كتبه عبد الرحيم، لغة القرآن، ص 582-596. وزرزور، عدنان محمد، علوم القرآن، المكتب الإسلامي، ص13-27. القرضاوي، يوسف، هموم المسلم المعاصر، إعداد وحوار ياسر فرحات، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، 96-99.
(2) أثر القرآن الكريم في اللغة العربية، ط. دار المعارف، مصر،: 1969