الصفحة 166 من 513

وقد مر معنا وصية ابن سحنون لمؤدب ولده:(ولا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف

الكلام) [17] .

كذلك أوصى ابن جماعة المعلم بشكر التلميذ إذا أصاب الجواب ومدحه والثناء

عليه ، فقال:(فمن رآه مصيبًا في الجواب ، ولم يخف عليه شدة الإعجاب شكره

وأثنى عليه بين أصحابه ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد) [18] . وقد

كان المربون الأوائل يتحينون الفرص لتشجيع الأولاد وحثهم على المنافسة النزيهة

في العلم وتحصيله . قال ابن سحنون في حث المعلم على ذلك:(وينبغي أن يجعل

لهم وقتًا يعلمهم فيه الكتاب ويجعلهم يتجاوزون ؛ لأن ذلك مما يصلحهم ويخرجهم ،

ويبيح لهم أدب بعضهم بعضًا) [19] .

وكانوا إذا حذق الصبي القرآن أي أصبح ماهرًا فيه جمعوا له الناس وعملوا

له وليمة لتشجيعه ومدحه بين الناس بما يدفعه إلى الاستزادة من العلم وتحصيله ؛

خصوصًا إذا علمنا أن أول ما يتعلمه الصبي في الكتّاب القرآن الكريم ، فهو بختمه

القرآن الكريم وحذقه لا يزال في بداية الطريق . جاء في: (كتاب العيال) للحافظ

ابن أبي الدنيا:(حدثني بشر بن معاذ العبدي ، حدثنا أبو عمارة الرازي ، حدثنا

يونس ، قال: حذق ابنٌ لعبد الله بن الحسن بن أبي الحسن ، فقال الحسن: إن فلانًا

قد حذق .

فقال الحسن: كان الغلام إذا حذق قبل اليوم نحروا جزورًا وصنعوا طعامًا

للناس) [20] .

وبهذا يكون المربون الأوائل قد سبقوا بأشواط كثيرة علماء النفس المحدثين في

تقرير أهمية المدح والثناء في التربية . ويشار إلى أسلوب التشجيع والثواب في علم

النفس بمصطلح (التعزيز) . ومعناه المكافأة ويعتبر التعزيز ، سواء كان معنويًا

كالمدح والثناء ، أو ماديًا ، من أهم الأساليب الحديثة في تعديل السلوك وتهذيبه .

وهكذا يتضح أن التربويين المسلمين قد لامسوا الموضوع عن قرب ولكن دون

الدخول في تفصيلات كبيرة كما هو الشأن بالنسبة لعصرنا الحالي الذي تشعبت فيه

التخصصات .

2-الإيحاش والإعراض والتّرْك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت