فهرس الكتاب
فارغًا حتى إذا شُغِل بأمر المسلمين أتيتموه ؟ وضربه بالدرّة ، فانصرف الرجل
حزينًا ، فتذكّر عمر أنه ظلمه ، فدعا به وأعطاه الدرّة ، وقال له:(اضربني كما
ضربتُك)فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك . فقال عمر: إما أن تتركه لله
فقط ، وإما أن تأخذ حقّك) فقال الرجل: تركته لله . فانصرف عمر إلى منزله
فصلّى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه:(يا ابن الخطاب: كنتَ وضيعًا فرفعك الله ،
وضالًا فهداك الله ، وضعيفًا فأعزّك الله ، وجعلك خليفةً فأتى رجلٌ يستعين بك على
دفع الظلم فظلمتَه ؟ ! ! ما تقول لربّك غدًا إذا أتيتَه ؟ وظلّ يحاسب نفسَه حتى أشفق
الناس عليه) [27] .
وقال إبراهيم التيمي:(مثّلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من
أنهارها وأعانق أبكارها ، ثم مثّلتُ نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من
صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها ، فقلت لنفسي: يا نفس أيّ شيء تريدين ؟ فقالت: أريد أن أُردّ إلى الدنيا فأعمل صالحًا ! قلتُ: فأنتِ في الأمنية فاعملي) [28] .
وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال: كنتُ أصحبُه فكان عامةُ صلاته بالليل ، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحسّ بالنّار ثم يقول لنفسه:
يا حنيف ! ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ ما حملك على ما صنعتَ يومَ
كذا ؟ ) [29] .
ونُقِل عن توبة بن الصّمة:(أنه جلس يومًا ليحاسب نفسَه فعدّ عمره فإذا هو
ابن ستين سنة ، فحسب أيّامها فإذا هي واحدٌ وعشرون ألفًا وخمسمائة يوم ؛ فصرخ
وقال: يا ويلتى ! ألقى الملك بواحدٍ وعشرين ألف ذنب ! فكيف وفي كل يوم عشرة
آلاف ذنب ؟ ! ! ثم خرّ فإذا هو ميّت ! ! فسمعوا قائلًا يقول: يا لكِ ركضةٌ إلى
الفردوس الأعلى) [30] . يقول الغزالي معلّقًا على هذه القصّة: (فهكذا ينبغي أن
يحاسب (العبد) نفسه على الأنفاس ، وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كلّ ساعة
.ولو رمى العبد بكلّ معصية حجرًا في داره لامتلأت دارُه في مدة يسيرة قريبة من