الصفحة 193 من 513

فارغًا حتى إذا شُغِل بأمر المسلمين أتيتموه ؟ وضربه بالدرّة ، فانصرف الرجل

حزينًا ، فتذكّر عمر أنه ظلمه ، فدعا به وأعطاه الدرّة ، وقال له:(اضربني كما

ضربتُك)فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك . فقال عمر: إما أن تتركه لله

فقط ، وإما أن تأخذ حقّك) فقال الرجل: تركته لله . فانصرف عمر إلى منزله

فصلّى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه:(يا ابن الخطاب: كنتَ وضيعًا فرفعك الله ،

وضالًا فهداك الله ، وضعيفًا فأعزّك الله ، وجعلك خليفةً فأتى رجلٌ يستعين بك على

دفع الظلم فظلمتَه ؟ ! ! ما تقول لربّك غدًا إذا أتيتَه ؟ وظلّ يحاسب نفسَه حتى أشفق

الناس عليه) [27] .

وقال إبراهيم التيمي:(مثّلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من

أنهارها وأعانق أبكارها ، ثم مثّلتُ نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من

صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها ، فقلت لنفسي: يا نفس أيّ شيء تريدين ؟ فقالت: أريد أن أُردّ إلى الدنيا فأعمل صالحًا ! قلتُ: فأنتِ في الأمنية فاعملي) [28] .

وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال: كنتُ أصحبُه فكان عامةُ صلاته بالليل ، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحسّ بالنّار ثم يقول لنفسه:

يا حنيف ! ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ ما حملك على ما صنعتَ يومَ

كذا ؟ ) [29] .

ونُقِل عن توبة بن الصّمة:(أنه جلس يومًا ليحاسب نفسَه فعدّ عمره فإذا هو

ابن ستين سنة ، فحسب أيّامها فإذا هي واحدٌ وعشرون ألفًا وخمسمائة يوم ؛ فصرخ

وقال: يا ويلتى ! ألقى الملك بواحدٍ وعشرين ألف ذنب ! فكيف وفي كل يوم عشرة

آلاف ذنب ؟ ! ! ثم خرّ فإذا هو ميّت ! ! فسمعوا قائلًا يقول: يا لكِ ركضةٌ إلى

الفردوس الأعلى) [30] . يقول الغزالي معلّقًا على هذه القصّة: (فهكذا ينبغي أن

يحاسب (العبد) نفسه على الأنفاس ، وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كلّ ساعة

.ولو رمى العبد بكلّ معصية حجرًا في داره لامتلأت دارُه في مدة يسيرة قريبة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت