وحتى يكتمل حديثنا عن النقد الذاتي لا بد من التطرق إلى الصفات التي يجب
أن يتحلّى بها الناقد ، ومن هذه الصفات ما يلي:
1-الوعي: والمقصود بالوعي هنا أن على الناقد أن يكون عالمًا بطبيعة
الظاهرة التي يريد نقدها ، ويفضّل أن يكون خبيرًا بها ? فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا ?
[ الفرقان: 59] ، ? وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ? (فاطر: 14) .
ولا يمكن أن يكون واعيًا وخبيرًا بها إذا لم يدرس تاريخ الظاهرة فيربط
ماضيها بحاضرها مما يمكّنه من تصوّر الظاهرة في شكلها الكلّي المتكامل والمتداخل
والمتشابك ، ويمكّنه بالتالي من تشخيص الخلل الذي يريد انتقاده ويحاول علاجه .
إن رؤية الأحداث كلاّ على حدة ، والنظر إلى الأمور منفصلة عن بعضها ،
والتفكير في الأشياء منفردة ، أو باختصار: ما يطلق عليه المفكر الجزائري(مالك
ابن نبي)مصطلح: (الذريّة في التفكير) يقود بلا شك إلى ضياع الوقت ، ويؤدي
إلى عملية نقد غير مجدية يدور فيها صاحبها حول نفسه ، ويراوح مكانه دون أن
ينطلق بنفسه أو بجماعته خطوة واحدة .
2-الإخلاص: إن الدافع لذكر الإخلاص هنا هو أن الوعي أو العلم أو
الخبرة قد لا يجدي نفعًا إذا صاحبته الأهواء والمطامع والشهوات ؛ فالأهواء
والمصالح الخاصة تدفع بالأفراد أحيانًا إلى نقدٍ غير نزيه وغير عادل ، أما إذا كان
الإخلاص هو الدافع وأعني بالإخلاص: الحرص على المصلحة العامة والتفاني في
سبيلها فإن النقد هنا وبدون شك لن يهدف إلى إرضاء جهة معينة أو مجاملتها ، كما
أنه لن ينبع من كراهية جهة أخرى أو الحقد عليها .
وكما أن النقد إذا لم يرافقه الوعي والعلم قد يتحول إلى ضربٍ من اللغو
والهراء والمراء ، فإنه إذا لم يرافقه الإخلاص والتجرد عن الهوى قد يتحول إلى
شيء من الطعن والتجريح والتشويه والتشهير .
3-الالتزام: فعلى الناقد أن لا يمارس عملًا ينقده لفظًا ، وإلا ذهب نقده