فإن للمسجد الأقصى المبارك في نفوس المسلمين أهميةً خاصةً ومكانةً عظيمةً، يُكنّون له الودّ الشديد, والحب العميق, وما ذلك إلا لتفضيل الله إياه، فيما خلق الله، ثم اصطفاه واجتباه (وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخِيَرة) [1] , والله جلّ وعلا طيّب؛ لا يختار من موجوداته تفضيلًا وتشريفًا إلا ما كان شريفًا طيبًا مباركًا. خلق السموات سبعًا فاختار منها أعلاها فجعلها مستقرًا لملائكته المكرّمين. ومحطًًّا لأرواح عباده الأبرار المقربين، واختصها بالقرب من كرسيّه ومن عرشه، (فتبارك الله أحسن الخالقين) [2] , وخلق الملائكة فاصطفى منهم رسلًا وسادةً، كجبريل وميكائيل وإسرافيل, وخلق من الماء بَشَرًا, فجعله نسبًا وصهرًا, فاختار منهم نبيين مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا جمًا غفيرًا, ثم اصطفى منهم رسلًا مبشّرين ومنذرين حجة منه عليهم وعدلًا, وخصّ منهم خمسةً من أولى العزم منّةً منه عليهم وفضلًا, ثم اجتبى من خيار الخيار عاقِبهم وخاتمهم الآخر السابق الذي أمّهم جميعًا بمسجد الأقصى ليلة الإسراء, صلى الله عليه وعلى سائر إخوانه الأنبياء الأصفياء.
ومن ذلكم كذلك اختيار الله تعالى البقاع المباركة الثلاثة من سائر مناحي الأرض التي دحاها. كما قال عزّ وجلّ مُقْسِمًا بها: (والتين والزيتون. وطور سينين. وهذا البلد الأمين) [3] ؛ لأنها استنارت بنزول أعظم المنح السماوية, وتباركت بتنزُّل أفضل الكتب الإلهية.
(1) القصص آية 68.
(2) المؤمنون آية 14.
(3) سورة التين 1 - 3.