فهرس الكتاب
ولحديث الغلام في قصة أصحاب الأخدود، وذلك أنَّه علَّم ملك نجران كيف يقتله، وأنه لا سبيل لهم إلى قتله إلا بالطريقة التي دلهم عليها، فكان متسببًا في قتل نفسه، من أجل دخول دخول أهل تلك البلاد في دين الله، وكان ما أراد، حيث قالوا جميعًا: آمنا بالله رب الغلام. ومن المعلوم بداهة أن قتل الأعداء من أعظم المخاطرة، لما في ذلك من تعريض النفس للتلف ..
الجود بالمال جود فيه مكرمة والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وإذا كان أكثر أهل العلم قديمًا قد ذهبوا إلى مشروعية الاقتحام على العدو، والانغماس في صفوفه، مع تحقُّق الهلاك، وضعف العدة، وقلة العدد، بقصد النكاية بالعدو، وكسر عنفوانه، وفلِّ شوكته، وتوهين قناته، فإن الصورة العصرية أيضًا مشروعة لذات المقصد والغاية. قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني ـ تلميذ الإمام أبي حنيفة ـ رحمهما الله:"لو حمل رجل واحد على ألف من المشركين وهو وحده فلا بأس بذلك، إذا كان يطمع في النجاة، أو نكاية في العدو. وإن كان قصده إرهاب العدو، وليعلم صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه. وإن كان فيه نفع للمسلمين فتَلِفتْ نفسه لإعزاز الدين، وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح الله تعالى به المؤمنين بقوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) " [1] .
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 2/ 314.