فهرس الكتاب
عوض عنه يقوم مقامه وينوب منابة ويغني عنه كما قيل:
لَهَا أَحَاديثُ مِن ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا ... عن الشَّرَابِ وتلهيْهَا عن الزَّادِ
لَهَا بِوَجْهِكَ نُوْرٌ تَسْتَضِيْءُ بِهِ ... ومِنْ حَدِيْثِكَ فِي أَعْقَابِهَا حَادِي
إِذَا اشْتَكَتْ مِن كَلالِ السَّيْرِ أَوْعَدَهَا ... رَوْحُ اللِّقَاءِ فَتَحْيَ عِنْدَ مِيْعَاد
وكلما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو إليه أحوج كان تألمه بفقده أشد، وكلما كان عدمه أنفع كان تألمه بوجوده أشد، ولا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله، واشتغاله بذكره وتنعمه بحبه، وإيثاره لمرضاته. بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة إلا بذلك.
فعدمه آلم شيء له وأشد عذابًا عليه، وإنما تغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب لاشتغالها بغيره واستغراقها في ذلك الغير فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم العقوبة بفراق أحب شيء إليها وأنفعه لها.
وهذا بمنزلة السكران المستغرق في سكره الذي احترقت داره وأمواله وأهله وأولاده وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك الفوت وحسرته.
حتى إذا صحا وكشف عنه غطاء السكر وانتبه من رقدة الخمر فهو أعلم بحاله حينئذ، وهكذا الحال سواء عند كشف الغطاء ومعاينة طلائع الآخرة والإشراف على مفارقة الدنيا والانتقال منها إلى الله.
بل الألم والحسرة والعذاب هناك أشد بأضعاف أضعاف ذلك، فإن المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته في الدنيا بالعوض ويعلم أنه قد أصيب بشيء زائل لا بقاء له، فكيف بمن مصيبته بما لا عوض عنه ولا بدل منه ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعها.
فلو قضي الله سبحانه بالموت من هذه الحسرة والألم لكان العبد جدير به وأن الموت ليعد أكبر أمنيته وأكثر حسراته، هذا لو كان الألم على مجرد الفوت، وكيف وهناك من العذاب على الروح والبدن أمور أخرى مما لا يقدر قدره؟
فتبارك من حمل هذا الخلق الضعيف هذين الألمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي. فاعرض على نفسك الآن أعظم محبوب لك في الدنيا، بحيث لا تطيب لك الحياة إلا معه فأصبحت وقد أخذ منك وحيل بينك وبينه أحوج ما كنت إليه، كيف يكون حالك