فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 51

صاحب الهدية دعوى إلى القاضي، فاستقال القاضي من وظيفته واعتزل القضاء، فعاتبه المهدي قائلًا: نحن نثق بك وبعدلكَ وقد رددتَ الهدية، فلم اعتزلت القضاء؟! فأجابه: يا أميرَ المؤمنين! إن القضاءَ مستقل وهو أعلى سلطة في الأمة، فالقاضي قد يحكم على الأمير، ولا يكون القاضي جديرًا بالقضاء إلا إذا كان من الهيبة والوقار والقوة بحيث لا يتجرأ أحدٌ أن يُقدِّم له هدية، أو يَطمع منه بحيف أو انحراف عن العدل والحق، أما وقد تجرأ أحدُهم وتقدَّم إلي بدعوى بعد أن قدَّمَ هديةً فهذا يعني أنني فقدتُ هيبةَ القاضي ولم أعد صالحًا للقضاء:

أولئكَ آبائي فجئْنِي بمثلِهم ... إذا جمعتَنا يا صديقي المَجَامِع

3 -العدل مع الخصم:

{وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]

أي: لا يحملنكم بغض أحد على ظلمه بل اعدلوا مع البغيض كما تعدلون مع الحبيب، وتلك شارة التقوى ودليل الإخلاص والوفاء.

4 -العدل بين الزوجات:

في الأمور المادية، كالمبيت، والنفقة في المأكل والملبس والمسكن و ... فإن لم يعدل في ذلك لم يجزْ له التعدد:

{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]

أما العدل القلبيُّ في المحبة والمودة فذلك مما لا يملك الإنسان زِمامَه، لأنه جُبل على تفضيل الأجمل والأكمل والأفضل ولذا قال - صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ هذا قَسْمِي فيما أملكُ فلا تؤاخذني فيما لا أملكُ وتملكُ» [1] ولذا فعلى الزوج أن يحاول وسعه العدل في ذلك وأن يُسدِّدَ ويقاربَ وأن يخفَي حبه المتزايد لإحدى زوجاته عن الأخريات، وأن لا يظلم إخداهن في حقها بالمبيت عندها في يومها المحسوب لها:

{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129]

وقد هدد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من يظلم إحدى زوجاته أن يفضخه الله يوم القيامة أمام الناس، فيبعثه وأحد شقيه مائل.

5 -العدل بين الأولاد في العطية:

ففي الحديث: «سَوُّوا بين أولادِكم في العطيَّة، ولا تُشهدوني على جَوْر - ظلم - ألا تحبُّون أن يكونوا لكم في البرِّ سَواء فكونُوا لهم في البِرِّ سواء» [2] .

ويجب الانتباه إلى أن العطية غير النفقة، فالتسوية في النفقة غير متصورة لأن الولد الكبير يتطلب نفقة أكثر من أخيه الصغير، فهذا لا بأس فيه ولا حرج.

6 -العدل في الإرث:

وهو أن توزع التركة كما أمرَ الله تعالى، وأن لا يُحرم أحد من حقه في الإرث فقد جعلَ الله ذلك:

{نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7]

تلك حدود الله بيَّنها في آيات المواريث، ثم قال في آخرها مهددًا من يظلم أو يحرم وارثًا حقه:

{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14]

7 -العدل في الوزن:

{وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85]

وهذا نداء من شعيب عليه السلام لقومه المطففين الظالمين الكافرين، فأبوا وأصروا على ما هم عليه:

{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 78]

وهذا تحقيق لوعيد الله تعالى:

{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 1 - 6]

8 -العدل في تحقيق المطالب المادية والمعنوية:

{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77]

«إن لجسدك عليك حقًا، ولزوجك عليك حقًا، ولربك عليك حقًا ... » [3] . والجمع بين

(1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

(2) رواه أحمد والنسائي.

(3) رواه البخاري والترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت