الصفحة 195 من 601

بينها، فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدمناه من إجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد إما معجلًا معافى، وإما مؤخرا بعد عقابه، والمراد بتحريم النار تحريم الخلود، خلافا للخوارج والمعتزلة في المسألتين، ويجوز في حديث:"من كان آخر كلامه لا إلَه إلا الله دخل الجنة"أن يكون خصوصا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وإن كان قبل مخلطا، فيكون سببا لرحمة الله تعالى إياه ونجاته رأسا من النار وتحريمه عليها، بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلطين، وكذلك ما ورد في حديث عبادة من مثل هذا، ودخوله من أي أبواب الجنة شاء، يكون خصوصا لمن قال ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وقرن بالشهادتين حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه، فيكون له من الأجر ما يرجح على سيئاته، ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة إن شاء الله تعالى، والله أعلم. هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله وهو في نهاية الحسن.

وأما ما حكاه عن ابن المسيب وغيره فضعيف باطل، وذلك لأن راوي أحد هذه الأحاديث أبو هريرة رضي الله عنه وهو متأخر الإسلام أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مستقرة، وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة، وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الأحكام قد تقرر فرضها، وكذا الحج على قول من قال: فرض سنة خمس أو ست، وهما أرجح من قول من قال سنة تسع والله أعلم.

وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى تأويلًا آخر في الظواهر الواردة بدخول الجنة بمجرد الشهادة فقال: يجوز أن يكون ذلك اقتصارا من بعض الرواة نشأ من تقصيره في الحفظ والضبط، لا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدلالة مجيئه تاما في رواية غيره، وقد تقدم نحو هذا التأويل. قال: ويجوز أن يكون اختصارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما خاطب به الكفار عبدة الأوثان الذين كان توحيدهم لله تعالى مصحوبا بسائر ما يتوقف عليه الإسلام ومستلزما له، والكافر إذا كان لا يقر بالوحدانية كالوثني والثنوي فقال: لا إلَه إلا الله وحاله الحال التي حكيناها حكم بإسلامه، ولا نقول والحالة هذه ما قاله بعض أصحابنا من أن من قال: لا إلَه إلا الله يحكم بإسلامه ثم يجبر على قبول سائر الأحكام، فإن حاصله راجع إلى أنه يجبر حينئذٍ على إتمام الإسلام، ويجعل حكمه حكم المرتد إن لم يفعل من غير أن يحكم بإسلامه بذلك في نفس الأمر وفي أحكام الاَخرة، ومن وصفناه مسلم في نفس الأمر وفي أحكام الاَخرة، والله أعلم.

وأخرج حديث عثمان بن عفان بلفظ = من مات وهم يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة= كل من:

-1 - أخبرنا محمد بن عمر بن يوسف قال حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال حدثنا بشر بن المفضل قال حدثنا خالد الحذاء عن الوليد بن مسلم أبي بشر قال سمعت حمران بن أبان يقول سمعت عثمان بن عفان يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ... ابن حبان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت