فهرس الكتاب
متابعًا للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة, وباطنه بالإخلاص, فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد, فمتى فقد الإخلاص كان منافقًا وهم الذين يراءون الناس, ومن فقد المتابعة كان ضالًا جاهلًا, ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم, الاَية, ولهذا قال تعالى: {واتبع ملة إبراهيم حنيفًا} وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي} الاَية, وقال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين} والحنيف هو المائل عن الشرك قصدًا, أي تاركًا له عن بصيرة, ومقبل على الحق بكليته لا يصده عنه صاد, ولا يرده عنه راد.
وقوله: {واتخذ الله إبراهيم خليلًا} وهذا من باب الترغيب في اتباعه, لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له, فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة, وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه, كما وصفه به في قوله: {وإبراهيم الذي وفى} , قال كثير من علماء السلف: أي قام بجميع ما أمر به في كل مقام من مقامات العبادة, فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير, ولا كبير عن صغير وقال تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} الاَية. وقال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين} الاَية, والاَية بعدها, وقال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت, عن سعيد بن جبير, عن عمرو بن ميمون, قال: إن معاذًا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح, فقرأ {واتخذ الله إبراهيم خليلا} فقال رجل: من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم, وقد ذكر ابن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما سماه الله خليلًا من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جدب, فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل, وقال بعضهم من أهل مصر: ليمتار طعامًا لأهله من قبله فلم يصب عنده حاجته, فلما قرب من أهله قرّ بمفازة ذات رمل, فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة, وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون, ففعل ذلك فتحول ما في الغرائر من الرمل دقيقًا, فلما صار إلى منزله نام, و قام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقًا فعجنوا منه وخبزوا, فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي خبزوا, فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك, فقال: نعم هو من عند خليلي الله, فسماه الله خليلًا, وفي صحة هذا ووقوعه نظر, وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًا لا يصدق ولا يكذب, وإنما سمي خليل الله لشدة