بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنشأ خلقه وبرا ..
الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته .. وصرف أمورهم بحكمته ..
الحمد لله الذي ذلت لعظمته الرقاب .. ولانت لقوته الصعاب .. وجرى بأمره السحاب ..
الحمد لله .. الذي تسبحه البحار الزاخرات .. والأنهار الجاريات .. والجبال الراسيات ..
أحمده سبحانه وحلاوة محامده تزداد مع التكرار .. وأشكره وفضله على من شكر مدرار ..
والصلاة والسلام على النعمة المهداة .. والرحمة المسداة .. محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم ..
أما بعد أيها الأخوة والأخوات ..
خلق الله تعالى الخلق من أصل واحد .. وجعلهم يختلفون في أشكالهم وأحوالهم ..
منهم الغني ومنهم الفقير .. ومنهم والأبيض والأسود .. والبخيل والكريم .. والشاكر واللئيم .. منهم التقي العابد .. الفاجر الفاسد ..
ومنهم الصالح الزاهد .. والكافر الحاقد ..
لكن هؤلاء جميعًا يتفقون في أنهم يسعون سعيًا حثيثًا لتحصيل غاية واحدة .. هي السعادة ..
فالتاجر الذي يمضي نهاره في التجارات .. والطالب الذي يقضي السنين بين المدارس والجامعات .. والموظف الذي يبحث عن أرفع المرتبات ..
والرجل الذي يتزوج امرأة حسناء .. أو يبني منزلًا فاخرًا .. كل هؤلاء إنما يبحثون عن السعادة ..
بل والشباب والفتيات الذين يستمعون الأغنيات .. وينظرون إلى المحرمات .. إنما يبحثون عن السعادة ..
سعة الصدر .. وراحة البال .. وصفاء النفس .. غايات تسعى النفوس لتحصيلها ..
فعجبًا لهذه السعادة الذي يكثر طلابها .. ويزدحم الناس في طريق الوصول إليها ..
ولكن السؤال الكبير .. هل حصل أحد من هؤلاء على السعادة التي يرجوها؟!
هل هو في أنس وفرح حقيقي ليس فيه تصنع ولا تظاهر؟
كلا بل - والله - أكثر هؤلاء كما قال أحدهم:
ما لقيت الأنام إلا رأوا مني ابتسامًا وليس يدرون ما بي
أُظهر الانشراح للناس حتى يتمنوا أنهم في ثيابي
لو دروا أني شقي حزين ضاق في صدره فسيح الرحاب
لتناءوا عني ولم يقربوني ثم زادوا نفورهم باغتيابي
فكأني آتي بأعظم ذنب لو تبدت تعاستي للصحاب
هكذا الناس يطلبون المنايا للذي بينهم جليل المصاب
وأول من يفقد السعادة هو من التمسها بمعصية الله تعالى ..
فأصحاب المعاصي في الحقيقة ليسوا سعداء .. وإن أظهروا الانشراح والفرح ..
ولا تغتر بظاهر عبيد الشهوة .. فإنهم يبتسمون ويضحكون ..
ولكن قلوبهم على غير ذلك ..
ووالله لو شاهدت هاتيك الصدور رأيتها كمراجل النيران
ووقودها الشهوات والحسرات والالآم لا تخبو مدى الأزمان
أرواحهم في وحشة وجسومهم في كدحها لا في رضى الرحمن
ما سعيهم إلا لطيب العيش في الدنيا ولو أفضى إلى النيران