قال: وأيش شعبة؟
قالوا: محدث ..
فقام إليه وعليه إزار أحمر .. فقال له: حدثني .. يعني ما دمت محدثًا فحدّثني ..
فقال له: ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك ..
فأشهر سكينة وقال: تحدثني أو أطعنك؟
فالتفت إليه شعبة وقال: حدثنا منصور .. عن ربعي .. عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت ..
فلما سمع القعنبي هذا الحديث .. وافق منه قلبًا صافيًا .. وتذكر ما يحارب به ربَّه منذ سنين ..
ورمى سكينه ورجع إلى منزله. فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فهراقه ..
ثم استأذن أمه بالسفر إلى المدينة لطلب العلم .. ومضى من وقته ولزم مالك بن أنس .. حتى حفظ عنه وأصبح من كبار العلماء المحدثين ..
وسبب هدايته موعظة عابرة .. لكنها صادفت قلبًا حيًا ..
فأدم ذكر ربك على جميع أحوالك .. واحرص على مجالسة الصالحين .. وحضور دروس العلم والدين .. فإن للذكر من شرح الصدر .. ولذة العمر .. ما لا يوصف ..
فابكِ بين يدي ربك .. واعترف بتقصيرك وذنبك .. واعترف بنعمته عليك .. وقل:
يا منزل الآيات والفرقان بيني وبينك حرمة القرآن
اشرح به صدري لمعرفة الهدى واعصم به قلبي من الشيطان
يسر به أمري واقض مآربي وأجرْ به جسدي من النيران
واحطط به وزري وأخلص نيتي واشدد به أزري وأصلح شاني
واكشف به ضري وحقق توبتي أربِح به بيعي بلا خسران
طهر به قلبي وصفِّ سريرتي أجمل به ذكري وأعلِ مكاني
واقطع به طمعي وشرِّف همتي كثِّر به ورعي وأحيي جناني
أسهر به ليلي وأظم جوارحي أسبِل بفيض دموعها أجفاني
أمزجه يا ربي بلحمي مع دمي واغسل به قلبي من الأضغان
أنت الذي صوَّرتني وخلقتني وهديتني لشرائع الإيمان
أنت الذي علمتني ورحمتني وجعلت صدري واعي القرآن
أنت الذي أطعمتني وسقيتني من غير كسب يد ولا دكان
وجبرتني وسترتني ونصرتني وغمرتني بالفضل والإحسان
أنت الذي آويتني وحبوتني وهديتني من حيرة الخذلان
وزرعت لي بين القلوب مودة والعطفَ منك برحمة وحنان
ونشرت لي في العالمين محامدًا وسترت عن أبصارهم عصياني
وجعلت ذِكري في البريّة شائعًا حتى جعلت جميعهم إخواني
والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام عليَّ من يلقاني
ولأعرضوا عني وملّوا صحبتي ولبؤت بعد كرامة بهوان
لكن سترت معايبي ومثالبي وحلُمتَ عن سقطي وعن طغياني
فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري وجوارحي ولساني
ولقد مننت عليَّ ربِّ بأنعُمٍ ما لي بشكر أقلِّهن يدان
فوَحق حكمتك التي آتيتني حتى شددت بنورها أركاني
لإن اجتبتني من رضاك معونة حتى يقوي أيدُها إيماني
لأُسبحنك بكرة وعشية ولَتخدمنك في الدجى أركاني
ولأذكرنك قائمًا أو قاعدًا ولأشكرنك سائر الأحيان