و الحقيقة أن وصف المسيح بالربّ أو بربِّنا، لا يقتصر على بولس بل يقول به جميع أصحاب رسائل العهد الجديد الآخرين أيضا، أي القديسون يوحنا و بطرس، و يهوذا و يعقوب أخوا المسيح عليه السلام لأمه.
و كان هذا مما صدمني جدا لما طالعت العهد الجديد لأول مرة، إذ كنت أتصور أن مرادهم من كلمة الرب ما نعهده نحن المسلمون منها: أي رب العالمين و بارئ الخلائق أجمعين الخالق الرازق سبحانه و تعالى... فكنت أستغرب وأستهجن وصف المسيح الذي هو عبدٌ لله تعالى و محتاج لمدده، بصفة الرب، أي جعله خالقنا و رازقنا مع أنه هو نفسه مخلوق و مرزوق من الله!!
إلا أني لما تبحرت بمطالعة العهد الجديد و درست مدلولات بعض ألفاظه، خاصة لفظة الرب و مشتقاتها، دراسة مقارنة دقيقة، تأكدت من أن كتَّاب و مؤلفي العهد الجديد لم يكونوا يعنون بكلمة الرب عند إطلاقها على المسيح معنى الله الخالق الرازق أبدا، بل يعنون بها معنى المعلم و السيد المطاع أمره، فكلمة الرب كانت وصفا لمنزلة المسيح الرسالية النبوية التعليمية و مقامه ومنصبه الذي أقامه الله فيه، لا وصفا لطبيعته أو تحديدا لجوهر ذاته.
و قد سبق و أشرت، في الفصلين الماضيين، لعض الشواهد من الأناجيل التي تدل على ذلك، و فيما يلي إعادة سريعة لها:
(1) فقد جاء في إنجيل يوحنا أن اليهود كانوا يخاطبون النبي يحيى عليه السلام بعبارة:
"رابِّي" (يوحنا: 3/26) ، و من الواضح أن أحدا لم يقصد إلوهية يحيى عليه السلام .
(2) كما جاء في نفس الإنجيل (يوحنا: 1/38) أيضا ما نصه:
"فقالا (للمسيح) : ربِّي!، الذي تفسيره يا معلم، أين تمكث؟"
[ ملاحظة: جملة: (الذي تفسيره يا معلم) المعترضة، هي ليوحنا نفسه مؤلف الإنجيل و ليست لأحد من الشراح، فهي من متن الإنجيل نفسه وليست مضافة ] .
(3) و جاء في إنجيل يوحنا كذلك (20 / 16) :
"قال لها: يا مريم! فالتفتت إليه و قالت له ربوني الذي تفسيره: يا معلم".