الصفحة 44 من 56

إن النص الأدبي يُمكن أن يُدرس على وفق مناهج كثيرة، قد تتفق كلها، أو بعضها في نتائجها، وأحكامِها على النص الأدبي الواحد، ويمكن القول بأن الوظيفة الأولى والأسمى للنقد الأدبي هي إنتاج معرفة بالنص الأدبي نفسه، وهذا يعني أن النقد الأدبي هو نص ثانٍ، لكنه يختلف عن النص الأدبي المدروس في كونهِ يحاول أو يؤسس لعناصر المعرفة في هذا النص [1] .

وهذا يُعني أن النقد الأدبي الصحيح يمثل خطابًا أدبيًا مُؤسِسًا معرفة مستندة إلى ما في النص الأدبي المدروس من تجليات مضمونة، أو بنائية، أو لُغوية أو ... ، وهذا في رأيي الباحث ما يُنادي به أصحاب المنهج البنيوي فهم ينادون إلى تأسيس معرفة من ذلك النص بعزلهِ عن الخارج، وهذه المعرفة لا تأتي دفعة واحده بل تتشكل من خلال الوصف والتحليل لذلك النص، والدخول في جزئياته وعلاقاته دون النظر إلى ما حوله.

ومن هنا يتم تأسيس معرفة نقدية حقيقية بالنص، وتكون تلك المعرفة خالصة وحقيقية؛ لأنها تنظر في النص من الداخل وليس من الخارج، وعلى ما اعتقد هذا هو ما تصبوا إليه البنيوية في نقدها.

فداخل هذا الفضاء المعرفي المؤسس، لا بد من إيجاد المعنى بعيدًا عن مرجعية الواقع؛ لأنه لا علاقة بين النص كوجود والواقع كمرجع موضوعي، فالقراءة تتجلى تمامًا عن خارج النص وتعطي أهمية قصوى لداخلِ ومكوناته؛ لأنه المرجعية من حيث هي رؤية متضمنة في مستوياته [2] .

ويرى الباحث بأن النقد البنيوي يُريد أن يُنتج نصًا جديدًا وفق رؤية القارئ، ولكنه يشترط عليه أن تكون تلك الرؤية نابعة من النصِ نفسهِ، ودليلي في ذلك أنه أعتبر القراءة نقدًا، فالقراءة في تلك هي مسار في فضاء النص من أجل إنتاج موضوع جديد وهو النص.

(1) : انظر: هادي نصر، البحوث اللغويّة والأدبية (الاتجاهات، المناهج، الإجراءات) ، دار الأمل، الأردن، ط1، 2005م، ص 132.

(2) : انظر: مشري بن خليفة، سلطة النص، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 200م، ص 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت