الصفحة 8 من 56

إذن نلاحظ مما سبق أن جان بياجه لا يُعرِّف البنيويةَ بالسلبِ، أي بما تنتقده البنيويةُ؛ لأنه يختلف من فرعِ إلى فرعٍ في العلومِ الحقةِ والانسانيةِ، فهو يُفرّقُ في تعريفهِ للبنيةِ بين ما تنتقده وما تهدف إليه.

ولذلك نلحظ أنه يركز في تعريفهِ للبنيةِ على الهدفِ الأمثلِ الذي يوحدُ مختلفَ فروعِ المعرفةِ في تحديد البنيةِ باعتبارها سعيًا وراءَ تحقيقِ معقوليةٍ كامنةٍ، عن طريقِ تكوينِ بناءاتٍ مكتفيةٍ بنفسِها، لا تحتاج من أجلِ بلوغِها إلى العناصر الخارجيةِ.

كما نلحظ أنَّ التعريفَ السابقَ يتضمنُ جملةً من السّماتِ المميزةِ [1] فالبنيةُ أولًا نسقٌ من التحولاتِ الخارجيةِ، وثانيًا لا يحتاجُ هذا النسقُ لأي عنصرٍ خارجيِّ، فهو يتطورُ ويتوسعُ من الداخلِ، مما يضمنُ للبنيةِ استقلالًا ويسمحُ للباحثِ بتعقلِ هذه البنيةِ.

أما عن خصائصِ البنيةِ التي أشارَ إليها جان بياجه في تعريفهِ فهي ثلاثُ خصائصَ كالتالي [2] :

(1) ـ الكلية أو الشمول:

وتُعني هذه السمةُ خضوعَ العناصرِ التي تُشكِّل البنيةَ لقوانينَ تُميّزُ المجموعةَ كمجموعةٍ، أو الكلَّ ككلٍّ واحد.

ومن هذه الخاصيةِ تنطلقُ البنيويةُ في نقدِها للأدبِ من المسلَّمةِ القائلةِ بأنَّ البنيةَ تكتفي بذاتها، فالنصُّ الأدبيُّ مثلًا هو بنيةٌ تتكونُ من عناصرَ، وهذه العناصرُ تخضعُ لقوانين تركيبيةٍ تتعدى دورَها من حيثُ هي روابطُ تراكميةٌ تشدُّ أجزاءَ الكيانِ الأدبيّ بعضَه إلى بعضٍ، فهي تُضفي على الكلِّ خصائصَ مغايرةً لخصائصِ العناصرِ التي يتألف منها البعض [3] .

(1) : إلى جانب تلك السمات أو الخصائص التي يحتويها التعريف، فإنه يتضمن كذلك كما يقول جابر عصفور مجموعة من المُسلّمات. راجع: أحمد العشيري، الاتجاهات النقدية والأدبية الحديثة (دليل القارئ العام) ، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، 2003م، ص 53ـ 54.

(2) : راجع في ذلك هامش رقم (1) ص4، من البحث نفسه.

(3) : انظر: إبراهيم محمود خليل، النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، دار المسيرة للنشر والتوزيع، ط1، 2003م، ص 95 و ترنس هوكز، البنيوية وعلم الإشارة، ترجمة: مجيد الماشطة، مراجعة: ناصر حلاوي، ط1، 1986، ص 13، و ديفيد بشنبدر، نظرية الأدب المعاصر=== وقراء ة الشعر، ترجمة: عبد المقصود عبد الكريم، سلسلة الألف كتاب الثاني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996، ص61 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت