فهرس الكتاب
و امتد أمام الأوربيين رواق العلم و انفسح مجال الاختراع و الكشف , و ضعفت الماكينة الإنتاج و وجهت الحياة وجهة صناعية , و سار ذلك جنبا إلى جنب مع نشأة الدولة القوية و امتداد سلطانها إلى كثير من البلاد و الأقطار , فأقبلت الدنيا على هذه الأمم الأوربية و جبيت إليها ثمرات كل شيء , و تدفقت عليها الأموال من كل مكان , فكان طبيعيا بعد ذلك أن تقوم الحياة الأوربية و الحضارة الأوربية على قاعدة إقصاء الدين عن مظاهر الحياة الاجتماعية و بخاصة الدولة و المحكمة و المدرسة و طغيان النظرية المادية و جعلها المقياس في كل شيء ... و تبعا لذلك صارت مظاهر هذه الحضارة مظاهر مادية بحتة تهدم ما جاءت به الأديان السماوية ، وتناقض كل المناقضة تلك الأصول التي قررها الإسلام الحنيف، وجعلها أساسًا لحضارته التي جمعت بين الروحانية والمادية جميعها، ومن أهم الظواهر التي لازمت المدنية الأوروبية:
1 ـ الإلحاد والشك في الله وإنكار الروح ونسيان الجزاء الأخروي والوقوف عند حدود الكون المادي المحسوس: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم:7) .
2 ـ الإباحية والتهافت على اللذة والتفنن في الاستمتاع وإطلاق الغرائز الدنيا من عقالها، وإشباع شهوتي البطن والفرج، وتجهيز المرأة بكل صنوف المفاتن والمغريات، والإغراق في الموبقات إغراقا يحطم الأجسام والعقول ويقضي على نظام الأسر ويهدم سعادة البيوت: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) (محمد:12) .
3 ـ الأثرة في الأفراد ، فكل إنسان لا يريد إلا خير نفسه، وفي الطبقات، فكل طبقة تتعالى على من سواها وتود أن تحظى بالمغانم دونها، وفي الشعوب، فكل أمة تتعصب لجنسها وتنتقص غيرها وتحاول أن تلتهم من هي أضعف منها.