فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 588

لهذا المعنى جاء أوصاف أصحاب محمد و هم صفوة الله من خلقه و السلف الصالح من عباده: ( رهبان بالليل فرسان بالنهار ) ترى أحدهم في ليله ماثلا في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و يقول: ( يا دنيا غري غيري ) فإذا انفلق الصباح و دوى النفير يدعو المجاهدين , رايته رئبالا على صهوة جواده , يزار الزارة فتدوي لها جنبات الميدان .

بالله عليك ما هذا التناسق العجيب و التزاوج بين الغريب و المزيج الفريد بين عمل الدنيا و مهامها و شؤون الآخرة و روحانيتها ؟ و لكنه الإسلام الذي جمع من كل شيء أحسنه .

استعمار الأستاذية و الإصلاح

و لهذا المعنى أيها المسلمون نفر المسلمون , بعد أن اختار نبيه - صلى الله عليه و سلم - الرفيق الأعلى في أقطار الأرض , قرآنه في صدورهم و مساكنهم على سروجهم و سيوفهم بأيديهم , حجتهم واضحة على ألسنتهم يدعون الناس إلى إحدى ثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال , فمن أسلم فهو أخوهم له ما لهم و عليه ما عليهم , و من أدى الجزية فهو في ذمتهم و عهدهم يقومون بحقه و يرعون عهده و يوفون له بشرطه , و من أبى جالدوه حتى يظهرهم الله عليه , (وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) (التوبة:32) .

ما فعلوا ذلك لسلطان , فزهادتهم في الجاه و الشهرة معروفة عند الخاص و العام , و لقد قضى دينهم على تلك المظاهر الزائفة التي يستمتع بها أقوام على حساب آخرين , فكان خليفتهم كأحدهم , يفرض له من المال و العطاء ما لرجل منهم ليس بأفضلهم و لا أدركهم , و لا يميزه إلا بما أفاض الله عليه من جلال الإيمان و هيبة اليقين , و لم ذلك لمال , فحسب أحدهم كسرة يرد بها جوعته و جرعة يطفئ بها ظمأته , و الصوم لديهم قربة , و الجوع أحب عندهم من الشبع , و حظ أحدهم من الملبس ما يستر به عورته , و كتابهم يناديهم بقول الله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت